حين يتحول الموت إلى فرجة: أي عدالة هذه؟

بقلم الياس عيسى الياس

لا يفتح الحديث عن الجرائم المروعة باباً للألم فحسب، بل يستحضر حق الضحايا وذويهم في المطالبة بالإنصاف.

وحين نتذكر ذلك الهجوم الدموي الذي شهده مركز الاستعداد العسكري في قاعدة فورت هود عام 2009، وأودى بحياة 13 شخصاً وأصاب 32 آخرين، فإن من الطبيعي أن يغضب الناس ويتألموا لفداحة الفاجعة.

غير أن إعلان البنتاغون خطة لبث تنفيذ حكم الإعدام بحق الرائد السابق نضال مالك حسن رمياً بالرصاص في الثالث من كانون الأول المقبل —وهو أول إعدام ينفذه الجيش الأميركي منذ عام 1961— يضعنا أمام منعطف أخلاقي خطير.

ووراء هذا الجدل يبرز سؤال أعمق: هل تتحقق العدالة بتحويل الموت البشري إلى عرض يُبث على الهواء للعامة؟

ويقود هذا السؤال إلى أزمة أقدم تخص مبدأ العقوبة ذاتها.

فقتل الإنسان تحت غطاء قانوني لا يعيد ضحية ولا يشفي غليل عائلة أثقلها الفقد، بل يكرس منطق العنف ويمنح السلطة حقاً في إهدار الأرواح.

وحين تتكامل هذه العقوبة مع خطة لتحويل تنفيذها إلى عرض جماعي، فإن الانتهاك يتضاعف، وتتحول العدالة من قيمة أخلاقية إلى مادة استهلاكية تُشبع الغريزة وتستبيح الموت.

ولعل اللافت أن هذا التوجه أثار تحفظات علنية حتى داخل المعسكر المؤيد للعقوبة نفسها؛ فبينما دافع وزير الدفاع بيت هيغسيث عن البث باعتباره وسيلة تُري الأميركيين عواقب الاعتداء على العسكريين، أعلن نائب الرئيس جيه دي فانس شكوكه في إتمام الخطة مؤكداً أنه لن يشاهد البث إن حدث.

وفي يوم الجمعة التاسع من تشرين الأول، صرّح الرئيس دونالد ترامب بأن البنتاغون «يتخذ قراراً بشأن ذلك»، وأفادت تقارير بأنه قد يحسم الأمر بنفسه. وقد سارع سياسيون إلى التنديد بفكرة البث العلني؛ إذ اعتبر السيناتور الجمهوري ثوم تيليس أن هذه الممارسة تليق بالأنظمة القمعية.

هذا التباين يكشف أننا أمام ممارسة تطال محذوراً أخلاقياً يرفضه حتى من لا يعترضون على المبدأ القانوني للعقوبة.

من جهة أخرى، يسوق مؤيدو الخطة حجة الردع، متسائلين عما إذا كان عرض المشهد علناً سيحقق زجراً أشد للجرائم الكبرى.

لكن تقرير المجلس الوطني للبحوث الأميركي (2012) يشير إلى أن الأدلة لا تقدم أساساً يُعتد به للقول إن الإعدام يردع. ثم إن السيناتور الديمقراطي جاك ريد حذر من أن هذه الخطة تمثل «هدية لمجندي الإرهاب المعادين لأميركا». فبث مشهد عنيف بهذا الشكل يقدم مادة دعائية قابلة للاستغلال في خطاب التنظيمات التي تقتات على مظلومية الدم لتعبئة أتباعها.

فالعدالة حين تصبح عرضاً مرئياً، تفقد معناها وتنقلب على غايتها.

ولبنان نفسه خاض هذا النقاش في آب الماضي؛ فبعد نحو عقدين من تجميد التنفيذ، صوّت مجلس النواب اللبناني على إلغاء الإعدام واستبداله بالأشغال الشاقة المؤبدة، في خطوة وصفتها باريس بالتاريخية والشجاعة، وسط معارضة كتلة حزب الله للقرار.

إن كثيراً من مجتمعاتنا تدرك كلفة الانزلاق نحو منطق الثأر والفرجة، وتعلم أن هيبة القانون تكمن في ثباته لا في صخبه، وأن بعض العائلات تفتش في مآسيها عن طمأنينة حقيقية لا ترويها عدسات الكاميرات.

الإنصاف لا يحتاج إلى جمهور. وحين نؤمن بأن الحياة الإنسانية حق أصيل، تتهاوى مبررات القتل المؤسساتي.

والكلمة الأخيرة اليوم باتت مطروحة أمام الإدارة الأميركية ورئيسها؛ فليتذكر الرئيس أن قوة الدولة الحقيقية لا تُقاس بقدرتها على إشهار الموت أمام الجمهور، بل بقدرتها على صون إنسانية الإنسان بصرامة القانون، بعيداً عن منطق الاستعراض.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top