العالم في زمن الذكاء الاصطناعي (٢):الدولة في زمن الذكاء الاصطناعي..عندما يصبح الذكاء الاصطناعي فاعلاً في صناعة القرار

بقلم د.نواف كبارة

إذا كان القرن العشرون قد عرف صراعاً بين الرأسمالية والشيوعية، وبين الديمقراطية والأنظمة السلطوية، وبين القوى الكبرى على الموارد والنفوذ، فإن القرن الحادي والعشرين قد يشهد تحولاً أكثر عمقاً: انتقال الذكاء الاصطناعي من مجرد أداة تستخدمها القوى المتنافسة إلى عنصر مؤثر في طبيعة القوة نفسها.
حتى اليوم، نفترض أن الإنسان هو صاحب القرار، وأن التكنولوجيا تساعده على تنفيذه. لكن ماذا يحدث عندما تصبح الأنظمة الذكية قادرة على تحليل ملايين الاحتمالات خلال زمن لا يستطيع العقل البشري مجاراته فيه؟
في الاقتصاد قد تقترح القرار، وفي الطب قد تحدد العلاج، وفي الإدارة قد توزع الموارد، وفي الأمن قد تحدد مصادر الخطر، وفي الحرب قد تحلل الأهداف وتقترح توقيت الهجوم والرد.
عندها تصبح الحدود بين الأداة والفاعل أقل وضوحاً.
فالفاعل ليس بالضرورة من يضغط على الزر الأخير. إذا كان الإنسان يعتمد بصورة شبه كاملة على نظام ذكي لتحديد الخيارات وترتيبها وتقدير نتائجها، يصبح السؤال مشروعاً: من اتخذ القرار فعلياً، الإنسان أم النظام الذي حدد له فضاء الخيارات؟
الدولة في عصر الذكاء الاصطناعي
من هنا سيعاد تعريف مفهوم السيادة.
لقد ارتبطت سيادة الدولة تاريخياً بالأرض والحدود والجيش والقانون والعملة. أما في العالم الجديد، فقد يصبح امتلاك القدرة الحاسوبية والبيانات والطاقة والرقائق والخوارزميات المتقدمة جزءاً من معنى السيادة نفسه.
وقد ينقسم العالم إلى دول تصنع الذكاء الاصطناعي، ودول تستخدمه، ودول تصبح معتمدة على أنظمة صنعتها قوى خارج حدودها.
وهذا الانقسام قد يكون أشد خطورة من الانقسام القديم بين الدول الصناعية والدول الزراعية.
لأن الدولة التي تستورد الآلة تستطيع، من حيث المبدأ، أن تتعلم صناعتها. أما الدولة التي تعتمد في اقتصادها وإدارتها وأمنها وتعليمها وإنتاج معرفتها على منظومات ذكية لا تفهم بنيتها ولا تتحكم في تطويرها، فقد تجد أن جزءاً من سيادتها انتقل تدريجياً إلى من يمتلك تلك المنظومات.

وماذا يبقى للديمقراطية؟

الديمقراطية الحديثة تقوم على فكرة بسيطة في ظاهرها: البشر يختارون من يحكمهم، والحاكم يتخذ القرارات ويتحمل مسؤوليتها.
لكن ماذا يحدث إذا أصبحت القرارات شديدة التعقيد بحيث يعتمد السياسي على أنظمة ذكاء اصطناعي لتحليل الاقتصاد والأمن والصحة والطاقة والمناخ والرأي العام؟
هل يبقى القرار ديمقراطياً لمجرد أن المسؤول المنتخب هو من وافق عليه؟
ثم تظهر مشكلة أكثر خطورة: قدرة الذكاء الاصطناعي على التأثير في الإنسان نفسه.
فكلما ازدادت قدرة الأنظمة الرقمية على فهم ميول الأفراد ومخاوفهم ورغباتهم وسلوكهم، ازدادت قدرتها على التأثير في قراراتهم. وقد يصبح التحدي الديمقراطي مستقبلاً ليس فقط ضمان حرية التصويت، بل ضمان حرية تكوين الإرادة التي تسبق التصويت.
فالإنسان الذي يعتقد أنه اختار بحرية قد يكون قد تعرض قبل اختياره لسلسلة طويلة من الرسائل والصور والمعلومات المصممة خصيصاً للتأثير فيه.
وعندها يصبح الدفاع عن الديمقراطية دفاعاً عن استقلال العقل البشري نفسه.
نهاية الحرب كما عرفناها؟
أما التحول الأكثر خطورة فقد يحدث في المجال العسكري.
كانت الحرب التقليدية تحتاج إلى جنود وجيوش وخطوط إمداد وقرارات بشرية متتابعة. ثم جاءت الصواريخ والطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية لتزيد المسافة بين المقاتل وساحة المعركة.
الذكاء الاصطناعي قد يضيف تحولاً آخر: تقليص المسافة بين اكتشاف الخطر واتخاذ القرار والرد عليه.
وفي بيئة عسكرية شديدة السرعة، قد تعتبر الدول أن إبقاء الإنسان داخل كل حلقة من حلقات القرار يجعلها أبطأ من خصومها. وهنا يظهر منطق خطير: كل طرف يخشى إعطاء الآلة استقلالاً أكبر، لكنه يخشى أكثر أن يفعل خصمه ذلك قبله.
وهكذا قد لا يأتي الخطر لأن دولة ما تريد تسليم قرار الحرب للآلة، بل لأن منطق المنافسة نفسه يدفع الجميع نحو ذلك.

من الردع النووي إلى الردع الخوارزمي

قام جزء كبير من الاستقرار الاستراتيجي خلال الحرب الباردة على مفهوم الردع النووي. كان الطرفان يعرفان أن الحرب النووية الشاملة قد تعني دماراً متبادلاً، ولذلك أصبحت القدرة على التدمير نفسها سبباً للحذر.
أما عصر الذكاء الاصطناعي فقد يكون أكثر تعقيداً.
فالخوارزميات تستطيع العمل بسرعات هائلة، ويمكن للهجمات السيبرانية أن تستهدف شبكات الاتصالات والطاقة والمصارف والأقمار الاصطناعية وأنظمة القيادة. وقد يصبح من الصعب أحياناً تحديد مصدر الهجوم أو معرفة إن كان سلوك النظام نتيجة قرار متعمد أم خطأ تقني أم تفاعل غير متوقع.
وهنا تصبح المشكلة ليست فقط قوة السلاح، بل سرعة القرار وغموض مصدره.
قد يكون أخطر سلاح في المستقبل ليس السلاح الذي يستطيع تدمير مدينة، بل النظام الذي يستطيع اتخاذ سلسلة من القرارات الاستراتيجية قبل أن يتمكن الإنسان من فهم ما يحدث.
الإنسان أمام ذكاء يفوق قدرته
وهنا نصل إلى السؤال الذي يتجاوز السياسة والحرب.
ماذا لو وصلنا يوماً إلى أنظمة تتفوق على الإنسان بصورة كبيرة في البحث العلمي والتحليل والتخطيط والابتكار؟
قد يساعد مثل هذا الذكاء في حل مشكلات استعصت على البشرية: أمراض مستعصية، مصادر جديدة للطاقة، فهم أعمق للكون، نماذج أكثر قدرة على مواجهة تغير المناخ، وربما إطالة الحياة البشرية وتحسين نوعيتها بصورة لم تكن ممكنة من قبل.
لكن المفارقة واضحة.
كلما أصبح النظام أكثر ذكاءً وفائدة، أصبح اعتماد الإنسان عليه أكبر.
وكلما ازداد الاعتماد عليه، أصبح الحفاظ على قدرة الإنسان على فهم قراراته ومراقبتها وتصحيحها أكثر أهمية وأكثر صعوبة في الوقت نفسه.
وهنا تكمن المعضلة الحقيقية: قد نحتاج إلى الذكاء الاصطناعي لحل المشكلات التي يعجز العقل البشري عن حلها، لكننا سنحتاج أيضاً إلى أن نبقى قادرين على الحكم على الحلول التي يقدمها لنا.
من يحكم العالم الجديد؟
ربما لهذا السبب سيكون الصراع الأكبر في العقود المقبلة حول ثلاثة أسئلة مترابطة:
من يمتلك الذكاء الاصطناعي؟
من يحدد أهدافه؟
ومن يملك الحق في إيقافه عندما تتعارض قراراته مع المصلحة الإنسانية؟
إذا بقيت هذه القوة محتكرة من عدد محدود من الدول والشركات، فقد نشهد تركيزاً للمعرفة والثروة والسلطة لم يعرف التاريخ مثيلاً له.
أما إذا تحولت إلى منفعة إنسانية مشتركة، وخضعت لقواعد دولية واضحة تحمي حقوق الإنسان وتضمن الرقابة البشرية وتمنع سباقاً غير منضبط نحو الأسلحة الذاتية، فقد تكون بداية مرحلة جديدة من الحضارة.
وهنا تصبح القضية سياسية وأخلاقية قبل أن تكون تقنية.
من الأمن القومي إلى الأمن الإنساني
لذلك قد يكون عصر الذكاء الاصطناعي اللحظة التي نحتاج فيها إلى إعادة التفكير في مفهوم الأمن نفسه.
لقد أنفقت البشرية طوال قرون موارد هائلة لحماية الحدود والدول والأنظمة. لكن الإنسان في القرن الحادي والعشرين يواجه أخطاراً لا تعترف بالحدود: الأوبئة، تغير المناخ، الانهيارات الاقتصادية، الهجمات السيبرانية، التفاوت الهائل في الثروة، وأخيراً المخاطر المحتملة الناتجة عن أنظمة ذكاء اصطناعي شديدة القدرة.
لا تستطيع دولة، مهما بلغت قوتها، أن تواجه هذه التحديات منفردة.
ومن هنا يصبح الانتقال من مفهوم الأمن القومي وحده إلى مفهوم الأمن الإنساني العالمي ضرورة مرتبطة بطبيعة العصر الجديد.
فالمطلوب ليس وقف التطور العلمي. محاولة وقف الذكاء الاصطناعي ستكون شبيهة بمحاولة وقف الثورة الصناعية بعد اختراع المحرك.
المطلوب هو أن تتطور قدرتنا السياسية والأخلاقية على إدارة هذه الثورة بالسرعة نفسها التي تتطور بها قدرتنا التقنية على صناعتها.
وهذا ربما يكون الامتحان الأكبر للإنسان.
لقد استطاع الإنسان أن يصنع ذكاءً جديداً.
أما السؤال الذي سيحدد مستقبل الحضارة فهو ما إذا كان يمتلك من الحكمة ما يكفي لكي يتعايش مع ما صنعه.
فقد تكون المفارقة الكبرى في تاريخ البشرية أن مصير الإنسان لن يتحدد فقط بمدى ذكائه، بل بقدرته على وضع حدود أخلاقية وسياسية للقوة التي أنتجها ذكاؤه.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top