
بقلم الياس عيسى الياس
في قرية حمود بمحافظة الكرك، تحولت لحظة وفاء أخيرة إلى مشهد دامٍ.
بعد ظهر الجمعة 23 تشرين الأول، تجمّع المشيعون في ساحة كنيسة القديس جاورجيوس للروم الأرثوذكس لتوديع الراحلة امتثال الهلسة. وبينما كان العزاء يحضن وجع العائلة، وقف إلى جانب الجثمان نساء مسنات وأطفال في خشوع، حين اقتحم المكان مسلحون وفتحوا النار.
سقط تسعة قتلى و25 جريحاً بحسب آخر حصيلة رسمية، ووصفت السلطات الأردنية ما جرى بأنه عمل إرهابي نفذته مجموعة من المتطرفين.
وفي فجر الاثنين أعلنت مديرية الأمن العام القبض على ثلاثة أشخاص قالت إنهم المنفذون، بعد أن تحصّنوا في منزل مهجور في الكرك وأطلقوا النار على القوة الأمنية، فأُوقفوا بعد إصابتهم جميعاً، وضُبطت بحوزتهم أسلحة وذخائر.
وسرعة الوصول إليهم، في ثلاثة أيام، تُسجَّل لأجهزة الدولة. لكن القبض على المنفذين ليس نهاية الحكاية.
ما زلنا لا نعرف دوافعهم ولا انتماءهم ولا من حرّضهم أو موّلهم، وهذه أسئلة يجب أن يجيب عنها تحقيق شفاف ومحاكمة عادلة، لا أن يطويها الارتياح لانتهاء المطاردة.
ويبقى سؤال آخر لا يقل إلحاحاً: كيف يمكن حماية دور العبادة، وهي مفتوحة بطبيعتها للناس، من أن تتحول إلى أهداف؟ فحماية المصلين والمشيعين جزء من حماية الحياة المشتركة.
وقد قال رئيس الوزراء جعفر حسان إن المواجهة مع التطرف ليست أمنية فحسب، بل معركة وعي وفكر، لأن الأوطان تنهار حين تنتشر الفتنة والعصبية. وهذا كلام يذهب إلى الجذر: الفكر قبل الرصاصة.
فالعنف لا يبدأ بالرصاصة الأولى، بل يسبقه مناخ فكري محتقن. التطرف يقتات على خطاب يغذي الإقصاء ويحوّل الاختلاف من تنوع غني إلى تهديد وجودي، وصولاً إلى تجريد الآخر من إنسانيته.
وإن أكدت التحقيقات الطابع المتطرف الذي وصفت به السلطات الهجوم، فنحن أمام هذا الفكر تحديداً. وقد تجد الأفكار المتطرفة بيئة حاضنة في البطالة وقلة الفرص، وإن بقي تفسير التطرف مسألة يتجادل فيها الباحثون ولا تختزلها عوامل الاقتصاد وحدها.
والكرك ليست غريبة عن هذا الوجع. ففي كانون الأول 2016 تحصّن مسلحون في قلعتها، فسقط رجال أمن ومدنيون بينهم سائحة كندية، وتبنى داعش الهجوم. وقبل ذلك أحرق التنظيم ابنها الطيار معاذ الكساسبة حياً عام 2015.
ولا يعني ذلك أن الجناة هذه المرة من التنظيم نفسه، فهذا ما سيقرره التحقيق، لكنه يذكّرنا بأن الكرك دفعت ثمناً سابقاً.
أما أنا، المسيحي اللبناني الذي ترتبط ذاكرته العميقة بهذه الأرض، فلا أرى في هذه الجريمة حادثة في جغرافيا بعيدة. أنا وريث ذاكرة عاشت جنباً إلى جنب في مشرق لم يعرف قطيعة مطلقة بين أبنائه، وإن شابته توترات وانقسامات عرفنا نحن اللبنانيين كلفتها.
وما جرى في حمود لا ينفصل عن مشهد أوسع. في لبنان علّمتنا الحرب الأهلية كم هو هش العيش المشترك حين يُترك للسلاح والخوف. وفي دمشق، فجّر انتحاري نفسه داخل كنيسة مار إلياس للروم الأرثوذكس في حزيران 2025، فسقط عشرات الضحايا وهم يصلّون.
وفي الضفة الغربية المحتلة، تتخذ المعاناة وجهاً آخر: اعتداءات المستوطنين على القرى وحقول الزيتون، والتضييق على القرى المسيحية والفلسطينية، ومساس بممتلكات الكنائس والأديرة في القدس.
الفاعل يختلف جوهرياً بين هذه الحالات. ففي الكرك دولة لاحقت المنفذين وأوقفتهم، وفي الضفة سلطة احتلال تتساهل مع كثير من المعتدين.
لكن ما يجمعها حقيقي: هشاشة حضور مسيحي ضارب الجذور، وضغط اقتلاع صامت يدفع أهل الأرض إلى الرحيل.
فمسيحيو المشرق يتراجعون عددياً بسبب الهجرة التي يدفع إليها القلق الأمني والاقتصادي. وهذا التراجع يُضعف المواطنة المتساوية، لأن غياب التنوع يفرغ المواطنة من مضمونها، فتغدو الأرض ملكاً لأكثرية وحدها.
وحين نتحدث عن الحماية، فنحن، مسيحيي المشرق، لا نستجدي وصاية أجنبية ولا نطلب امتيازات طائفية.
نريد دولة قانون ومساءلة قضائية صارمة في الأردن ولبنان وسوريا وفلسطين، تبدأ في الكرك بمحاكمة عادلة للمقبوض عليهم، ومناهج تربوية وخطاباً دينياً مستنيراً يحميان العيش المشترك.
بقاؤنا في هذه الأرض ليس منحة من أحد، ودفاعنا عن كنائسنا وأديرتنا هو دفاعنا عن حقنا في الانتماء إلى مكان عاشت فيه أجيالنا.
وإلى الكنائس الغربية وإلى الضمير المسيحي في الغرب أقول: لا نطلب وصاية، بل تضامناً وصوتاً أخلاقياً.
فمسيحيو المشرق لا يحتاجون إلى أبواب هجرة تُفتح لهم، بل إلى أرض تُصان فيها كرامتهم وتُحفظ حريتهم وتُؤمَّن سبل العيش الكريم لأبنائهم. فلا تكتفوا بأن تتحول أرض الرسالات والأنبياء إلى ذاكرة روحية جامدة تُزار بعد أن يغادرها أهلها الحقيقيون.
وفي ختام جنازة حمود، قال الكاهن يوحنا حماتي: “من هنا نبثّ رسالة سلام وطمأنينة ومحبة”. كلمات خرجت من قلب مجروح، ولم تعرف ثأراً ولا كراهية.
وبهذه الروح يُحفظ أولئك الذين سمّاهم مجلس الوزراء الأردني واحداً واحداً: الدكتور ماهر عادل زريقات، وإيهاب نايف الهلسة، والدكتور فادي عاصم الهلسة، والدكتور خالد ميخائيل الهلسة، والدكتور عاصم أمين البرقان، وعلاء خليل المصاروة، ومروان خليل خيطان، والدكتور محمد يوسف القسوس، ومازن رسمي القسوس.
وحده القانون العادل، الذي يضمن حقوق جميع المواطنين بلا تمييز، يستطيع أن يصون تنوعنا المشرقي، ويجعل من هذه الأرض وطناً يتسع لكل أبنائه أحراراً متساوين في الحقوق والواجبات.
