
بقلم الياس عيسى الياس
«الخصوم لا تهزّهم صيحات الاستهجان، بل نتائج الصناديق». بهذه العبارة استهل باراك أوباما خطابه في كليفلاند بولاية أوهايو يوم 24 تشرين الأول، داعياً مناصريه إلى ألا يكتفوا بالتنفيس عن غضبهم، بل أن يوجّهوه وجهة أجدى.
فالاستهجان رفض عابر ينتهي بانتهاء اللحظة، أما التصويت فيمنح السخط أثراً ملموساً يغيّر موازين القوى. ومن يكتفي بالصراخ ثم ينصرف يترك القرار لمن يملك صبر الوقوف في الطابور.
يضعنا هذا المشهد أمام أسلوبين متباينين في مخاطبة غضب الشارع الأميركي، مع التوجه إلى صناديق التجديد النصفي في موسم علا فيه الصخب. وفي مقابل خطاب أوباما، يقف خطاب دونالد ترامب متكئاً على تعبئة مباشرة وصاخبة.
وحين نتحدث عن «الرصانة موقفاً سياسياً»، قد يتبادر إلى الذهن أن المقصود هو التراخي أو غياب الحدة. غير أن أوباما يُظهر أن الانضباط في الوسيلة لا يعني ليونة في المضمون. فقد وصف سلوك خصومه بالقسوة، وظلّ خطابه نقداً حاداً بلغة منضبطة، وجزءاً من تعبئة حزبية واسعة. وجاء تحذيره من بلد يُساق بالخوف شديداً، وإن بقي في حدود الحجة. وفي أتلانتا، أمام نحو ثمانية آلاف من مناصريه، كرّر الدعوة نفسها: لا غضب بلا صندوق.
لكن هذا يفتح الباب على سؤال مشروع: إن كانت الرصانة أداة تعبئة وتصعيد حزبي، ففي أي معنى تصبح «موقفاً سياسياً»؟ الإجابة تكمن في الرفض الواعي لتحويل الخلاف إلى إلغاء للخصم. فيُنتقد الخصم بقسوة في أفكاره وبرنامجه، دون نزع الشرعية عن وجوده أو عن حقه في المنافسة.
في المقابل، حافظ ترامب على وتيرة عالية، متجاوزاً، بحسب الصحافة الأميركية، 25 تجمعاً انتخابياً في تشرين الأول وحده، معظمها في ولايات جمهورية يخشى حزبه فيها تراجع الإقبال. وكرّر عناوينه المألوفة عن الضرائب والحدود والرسوم الجمركية، ووعد بمنحة قدرها خمسة آلاف دولار لكل بالغ إذا فاز حزبه بالكونغرس.
ولأنه لم يكن على ورقة الاقتراع، طلب من أنصاره أن يتخيلوه مرشحاً، معتبراً أن إنجازاته معرضة للزوال. ولم تخلُ أيامه الأخيرة من مواجهة حادة تجاه خصوم وصفهم بـ«الراديكاليين الذين يدمّرون البلاد».
وفي دايتونا بيتش بولاية فلوريدا، ثم في ساوث كارولاينا، امتزجت تلك المواجهة بكلمات وداعية، إذ اشتكى من إرهاق الحملة ملوّحاً بأن جماهيره لنتشهد مثل هذه التجمعات مرة أخرى. وهو ما يؤكد أن خطابه يظل، حتى في لحظاته الأخيرة، خطاب مواجهة مستمرة.
قد يرى أنصار ترامب في هذه الحدة صدقاً وشفافية في مواجهة ما يعتبرونه رصانة زائدة بلا نتيجة. ويرون في وعوده المباشرة، مثل منحة الخمسة آلاف دولار، وسيلة لتحويل الغضب إلى مكسب ملموس. لكنه مكسب فردي موعود، لا قرار مؤسسي يدوم بعد انتهاء الحملة.
والفارق الجوهري إذن يكمن في طريقة التعامل مع السخط. فأحدهما يحاول توجيهه ليتحول إلى قرار مؤسسي، والآخر يجعل منه وقوداً لمواجهة لا تهدأ.
ومع ذلك، يلتقي الخطابان عند هاجس غلاء المعيشة، إذ يرى فيه أوباما معركة كرامة وعدالة، ويقدمه ترامب شعاراً لحماية القدرة الشرائية. وهذا دليل على أن الوجع المعيشي أقوى من الانقسام، وأن كل طرف يسعى إلى أن يكون صاحب الجواب عنه.
وسؤال الغضب هذا، ماذا نفعل به؟، هو سؤالنا في لبنان. فغضب اللبنانيين من منظومة سياسية مفلسة تعيش على الانقسام ليس خافياً، وصوتهم حاضر في الساحات، كما تجلى في احتجاجات تشرين الأول 2019.
لكن أزمة لبنان الحقيقية تكمن في تعطيل فعالية الصندوق بقوانين انتخابية مفصّلة وعصبيات تعيد تدوير الأزمة ذاتها. ولم تترجم انتخابات 2022 النيابية السخط تغييراً جوهرياً. فرغم خسارة حزب الله وحلفائه أغلبيتهم، لم يدخل البرلمان من نواب التغيير سوى بضعة عشر نائباً، وبقيت البنية الطائفية على حالها.
وفي الحالتين، الأميركية واللبنانية، لا يُقاس الخطاب بمقدار التصفيق، بل بما يفعله بغضب الناس.
وعند هذا الحد، لا تعود الرصانة مجرد تجميل للقول، بل تصبح جزءاً من المسؤولية الوطنية التي تفرضها أصول الديمقراطية: أن نغضب بحدة، ونحاسب بالصندوق، ونصرّ على صندوق عادل يصلح للمحاسبة، ونختلف دون أن نلغي بعضنا.
