
بقلم خالد الصالح
منذ السابع من أكتوبر 2023 دخلت منطقة الشرق الأوسط “المنعطف الأخير” في سلسلة طويلة من المنعطفات التي بدأت منذ العام 1983، تاريخ ولادة فكرة “الشرق الأوسط الجديد”، والتي تأخّر موعدُ وضعِها حيّز التنفيذ حتى مطلع الألفية الجديدة لجملةٍ طويلةٍ من الأحداث والمتغيرات التي شهدتها المنطقة والعالم على السواء .
اليوم يبدو أن الشرق الأوسط وبعد “المنازلة” بين العدو الاسرائيلي وإيران و”المواجهة الخاطفة” بين واشنطن وطهران، دخلَ دائرة المتغيرات الجيوسياسية التي أعادت خلط الأوراق والتوازنات الإقليمية والتي فرضها الواقع الجديد الذي نشأ عقب “طوفان الأقصى”، وصار الحديث عن ولادة التصوّر الحديث للمنطقة أقرب إلى الواقع خصوصًا مع وجود “ترامب” على رأس الإدارة الأميركية، الذي يحسب الأمور من زاوية “الربح والخسارة” كـ “تاجر” .
على هذه المعايير يأمل بعض المتابعين كافة أن يصمدَ اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران وإسرائيل، وتنتهي الحرب بين الطرفين وتبدأ عملية السلام الشامل في المنطقة ككل، بينما يرى البعض الآخر أن هذا الأمر “ضربًا من ضروب التمني”، فلا إٍسرائيل ستنزعُ من عقيدتها فكرة “التوسّع” ولا إيران ستنزع من أيديولوجيتها فكرة “السيطرة والنفوذ” .
لم تكن هذه الحرب سوى حلقة من سلسلةٍ طويلة بدأت قبل أربعة عقود ونيف مع ولادة الجمهورية الاسلامية في إيران، حيث صار “التناتش” ظاهرًا للعيان للهيمنة على المنطقة ولعب دور “الشرطي” فيها، لكنها لم تتمظهر بشكلٍ فاقع كما هي الحال اليوم بسبب وجود معوّقات جيوسياسية بارزة أهمها “العراق” والنظامُ القائم فيه، لذلك كان من الضروري تفكيكه أولًا ثم القضاء عليه لاحقًا، وهذا ما حصل فعليًا بين عامي 1990 و 2003، حينها شرعت نظرية “الشرطي” في التنامي وبقيت العقدة المستدامة أو القضية المركزية “فلسطين” .
الأصيل والوكيل
المتأمل لخارطة الشرق الأوسط يُدرك أنها ليست مجرّد مسألة حدود وبسط نفوذ وسيطرة، بل تعكس واقعًا دقيقًا وصراعًا أيديولوجيًا وسياسيًا عميقًا بين قوى إقليمية ودولية، وبسبب غياب أيّ مشروعٍ عربي حقيقي لمواجهة التحدّيات الإسرائيلية والنفوذ الإيراني وتنامي القوة التركية في العقدين الأخيرين، جعل الباب مشرّعًا في المنطقة أمام رياح القوة الأكبر في العالم الولايات المتحدة الأميركية، التي تبحث عن مصالحها الاستراتيجية سواء بالمباشر أو عبر وكلائها، للبقاء قريبًا من “التنين الصيني” الذي بدأ بتهديد هذه المصالح.
من هنا فإن “جنون” إسرائيل من البرنامج النووي الإيراني ليس فقط بسبب التهديدات العسكرية التي يمكن أن يشكّلها، بل لأنّ إيران ستتحوّل إلى قوة منافسة لها في المنطقة وسط “إهتمام” عربي ينصبّ فقط على الاقتصاد، الاقتصاد الذي يتطلّب “قوة” لحمايته وتأمين خطوط نشاطاته، لذلك جاءت الحرب الأخيرة لإضعاف “منظومة” القوة العسكرية الإيرانية وصولًا إلى معادلة المثل الشعبي “ما بيبقى بالميدان إلا حديدان”.
لم تكن “حرب الأيام الإثني عشر” سوى نقطة فارقة في عملية تنظيم الشرق الأوسط “الجديد”، وهذا ما دفع بالرئيس الأميركي إلى توجيه “عبارات وعيدٍ” لكلّ من إسرائيل وإيران لضرورة الالتزام بوقف إطلاق النار، والعمل على إحلال السلام في المنطقة، في مؤشّر ضمني أن لإيران دورٌ مستقبليّ معيّن وكبير إن عادت إلى كنفِ المجتمع الدولي بصورة واضحة، وقد نشهد في الأسابيع المقبلة عودة عجلة المفاوضات الثنائية والمباشرة إلى الدوران .
واشنطن تستدعي طهران
أدرك “ترامب” أن إسرائيل وحدها عاجزة عن حسم الأمور كما تريد، دمّرت غزة ولم تقضِ على حماس، ودمرت لبنان ولم تقضِ على حزب الله، وألحقت ضررًا كبيرًا بالقدرة العسكرية والاستخباراتية الإيرانية لكنها أيضًا لم تقضِ على النظام الإيراني، أو أن تحدّ من مسألة الصورايخ الباليستية التي أوجعتها كثيرًا، وأن السبيل لوضع حدّ لكلّ هذا هو بمحاولة جلب “إيران” إلى الفلك الأميركي لا تركها على الضفة المواجهة .
ترامب لم يكن أبدًا بعيدًا عن مشروع “الشرق الأوسط الجديد” بشكل أو بآخر، فسياساته ساهمت في تشكيل مناخ وظروف المنطقة، فقد اختار الانسحاب من الاتفاق النووي في ولايته الأولى، وكان أبرز الداعمين لإسرائيل، بنقل سفارة بلاده إلى القدس، والاعتراف بالجولان كجزء من إسرائيل، ولكنه في الوقت ذاته، رفع في الأشهر الأخيرة شعار الدبلوماسية والحوار مع الجمهورية الإسلامية ووضع سقفًا زمنيًا مدته شهران للوصول إلى اتفاق على المقاس والمعايير الأميركية.
من هنا وفي حال دخلت إيران منظومة الرؤية الأميركية للمنطقة، هل سينجح مشروع الشرق الأوسط الجديد بعدما فشلت كل المحاولات السابقة لهذه الغاية ؟.
تدخل إيران جولة المفاوضات المقبلة متمسكة على الأقل بنظامها الذي لم يسقط، برؤيتها التي لم تنتهِ بعد، وبقدرتها على “البيع” و “الشراء”، وستوفر لواشنطن الفرصة المطلوبة لضمان شرق أوسط جديد كما تريده، وتقطع الطريق على “الصين” التي لم تنل منها سوى التأييد اللفظي فقط، فإيران أيضًا بدأت البحث عن مصالحها، ستدفع كثيرًا في بعض الأماكن – ومنها لبنان – لكنها ستكسب الكثير أيضًا، خصوصًا إذا ما نزعت من قواميسها فكرة “الشيطان الأكبر” .
سيذهب الإيرانيون إلى المفاوضات، ليس من باب “المستسلم” بل من باب “المساوم”، المساومة التي يتقنونها بجدارة على حساب كل الأذرع التي أسّسوها على مدى عقدين ونيف، ومحتفظين أيضًا بـ “رصاصة” في المسدس، تحسّبًا لأي تصعيد يقوم به العدو الاسرائيلي، وبين هذا وذاك .. يلعب “العرب” دور “المتفرّج” بامتياز
