
بقلم الياس عيسى الياس – ديمقراطيا نيوز
في بستانٍ عتيق تضربُ جذوره في أعماق التاريخ، سادَ هدوءٌ ثقيلٌ في صبيحة يومٍ تبدلت فيه ملامحُ الغابة. جلسَ حكيمانِ يرقبانِ الدخانَ المتصاعدَ من وراءِ الجبال، حيثُ كان يقطنُ “الجارُ المهيب”. قال الأول: “رحلَ من كنا نظنُّه خالداً، وتهدمت الحصونُ التي قيل إنَّ الريحَ لا تهزُّها”. أجاب الآخرُ بوقار: “ليسَ في زوالِ القوةِ إلا العبرة؛ فالدول كالأجساد، تذبلُ حينَ تثقلُ عليها الديونُ الأخلاقيةُ والمادية، ومن بنى مجداً على أعمدةٍ من دخان، لا بد أن تذروه الرياح”.
هذا المشهد الرمزي يعكس لحظة الحقيقة العارية التي يواجهها لبنان والمنطقة. فبعيداً عن الاستعارات، نجد أن اهتزاز مفاهيم “الإسناد” و”وحدة الساحات” أمام التحولات الكبرى، قد وضع القوى المحلية في مواجهة مباشرة مع فكرة “الدولة” التي تم تغييبها طويلاً. إن الموكل الإقليمي، الذي منح الغطاء والمدد لسنوات، يبدو اليوم غارقاً في إعادة صياغة تموضعه الاستراتيجي، باحثاً عن “تفاهمات ضرورة” تضمن بقاءه في ظل نظام دولي لم يعد أحادياً بقدر ما أصبح فوضوياً ومتشابكاً بين أقطاب تتصارع فوق أشلاء الشعارات القديمة.
إن القلق الذي يسكن عيون النخب اللبنانية اليوم هو صدمة الاستفاقة على حقيقة أن كرامة الأوطان لا تُستورد، وأن القرار الوطني يجب أن يكون نابعاً من مصلحة الأرض لا من حسابات المحاور. لقد شاعت لغة جعلت من لبنان “ساحة” لا “وطناً”، واليوم يدرك الجميع أن الدم الذي سُفك لم يروِ في المحصلة إلا طموحات الآخرين على رقعة الشطرنج الدولية. وفي هذا الضجيج العاتي، تبرز المؤسسات الشرعية والجيش اللبناني كملجأ وحيد للسيادة؛ إذ أثبتت الأزمات المتلاحقة أن الصاروخ العابر للحدود لا يحمي طمأنينة الفرد بقدر ما تفعل الدولة الحاضنة بقرارها المستقل.
المستقبل القريب محكوم برياح عاتية لا ترحم المترددين في عالم يتنازع نفوذه صقور واشنطن وتوازنات بكين وموسكو. والنجاة تكمن في تطهير البستان من آفاته الداخلية؛ من الفساد الذي نهب القوت، ومن التبعية التي سلبت الإرادة. إن تحييد لبنان عن صراع المحاور هو “الفضيلة السياسية” الوحيدة المتبقية. لا بد أن يدرك الجميع أن العودة إلى كنف الشرعية ليست انكساراً أمام خصم، بل هي فعل شجاعة وطنية واعتراف بالواقع الجيوسياسي الجديد الذي لا يحترم إلا الأوطان المتماسكة من الداخل.
لقد أُكل الجميع يوم أُكل “الثور الأبيض” فكرياً، ولا وقت اليوم للشماتة، فالحريق يهدد الجميع بلا استثناء إذا لم يتداركوا أمرهم بكلمة سواء تضع مصلحة “الجمهورية” فوق كل اعتبار أيديولوجي.
ومع ميل شمس هذا اليوم نحو الغروب، حاملةً معها حطام عصرٍ مضى وبدايات مخاضٍ عسير، لم يعد السؤال عما إذا كان البستان سيشهد ولادة ميثاقٍ جديد أو ترميماً لقديم متهالك؛ بل السؤال الحقيقي هو: هل يدرك القاطنون في هذا البستان أن “الدولة” لم تعد خياراً سياسياً يمكن المفاضلة عليه، بل أصبحت “طوق نجاة” أخيراً قبل أن تبتلع العاصفة القادمة الأرض والناس معاً، أم أن غبار الصراعات العابرة للحدود قد أعماهم عن رؤية أن جذورهم لا ترتوي إلا من ترابهم وحده؟
