
بقلم الياس عيسى الياس
كنتُ أراقب الدكتورة رويدا الرافعي وهي تنفض الغراء الممزوج بالتراب عن يديها بعد يوم عمل طويل، حين التفتَتْ نحو مجسمها وقالت بصوت هادئ: “أردتُ فقط أن أستبدل ثقافة الإيذاء بثقافة الحماية”.
على تقاطع طرق حيوي يربط طرابلس بالخط الدولي، يربض طائرها التعبيري الضخم فوق قاعدة صخرية، متأهباً للإقلاع بجناحين مفرودين نحو الأعلى. جسد النصب كُسي بالكامل بآلاف من فراغات طلقات الصيد المستهلكة، تتأرجح ألوانها البلاستيكية بين الأحمر والأخضر والأزرق تحت أشعة الشمس. حين سألتها عن سر كثافة اللون الأزرق عند انحناءة الجناح، ابتسمت بابتسامة متعبة وقالت: “الأزرق هو السماء التي حُرِموا منها، أريد إعادتها إليهم”. قاطع حديثنا بوق شاحنة ضخمة مرت مسرعة، مخلّفة وراءها غباراً كثيفاً استقر على صفوف الخرطوش في أسفل النصب.
رحلة جمع هذه المكونات لم تكن نزهة؛ فرويدا نزلت بنفسها إلى براري عكار وجبال الضنية، تنحني فوق التراب لتملأ الأكياس ببقايا طلقات الصيد الجائر، قبل أن تقضي ساعات في مشغلها تلصق هذه الفراغات يدوياً، واحدة تلو الأخرى، فوق هيكل طائرها.
وفي أحشاء المجسم، حشرت رويدا بقايا مسجلات صوتية خارج الخدمة؛ تلك الأجهزة التي كانت تُصدر أصواتاً اصطناعية تخدع الطيور وتستدرجها إلى الموت، استقرت هناك كخردة صامتة، أُبطل مفعول غدرها لتتحول إلى جزء من جسد الضحية.
هذا الشريان المروري يقود نحو الأعالي، وهي المناطق التي تتحول في مواسم الهجرة إلى ساحات صيد لا تُغلق. يقف النصب هناك كعلامة تحذير بصرية، تتدخل بين عين الصياد والزناد وهو يصعد بسيارته نحو الجبل، لتذكره بأن العبور السنوي لهذه الأجنحة هو الذي يمنح غاباتنا حياتها، وبأن غيابها يكسر إيقاع الطبيعة الشمالية برمتها.
قدمت رويدا هذا النصب هبة كاملة لمدينتها طرابلس، مستفيدة من موقعها في لجنة الحدائق بالبلدية لتسهيل الإجراءات، رغبةً منها في تحويل المساحات العامة إلى منصات لرفع الوعي الشعبي، وغرس قيمة الحماية لدى الناشئة.
يقف النصب اليوم في الساحة وسط صخب السير اليومي. قبل أن أغادر المكان، تعمدتُ الوقوف على الرصيف المقابل؛ توقفت سيارة ربع نقل قديمة يرتفع من راديوفونها صوت موسيقى شعبية، أطلّ منها شاب ثلاثيني، حدّق طويلاً في تموجات الأجنحة الزرقاء، أومأ برأسه خفيفاً، قبل أن ينطلق بسيارته ويغيب في الزحام.
