
بقلم الياس عيسى الياس
لم يكن الشاعر الفرنسي ألفرد دي موسيه يهرب من قصة حب متصدعة وحسب حين حزم حقائبه نحو البندقية في ثلاثينيات القرن التاسع عشر؛ كان يحمل خيبة جيل كامل، فصاغ لها في روايته اسماً صارخاً: “مرض القرن”. وصَف به شباباً خرجوا من رماد الحروب النابليونية، ليجدوا أن زمن البطولات قد انتهى، ولم يتبقَّ لهم سوى عالم بارد تحكمه الأرقام والمكاسب الجافة.
كانت تلك الخيبة تبحث عن معنى. وحيث انطوى موسيه على يأسه، حاول معاصره فيكتور هوغو تحويل هذا الشجن إلى طاقة للمواجهة؛ إذ كان الفضاء العام آنذاك يتسع لتحويل الانكسار الفردي إلى فعل جماعي وثورة.
في بيروت اليوم، يعود هذا الداء لكن بلا “هوغو” يلم الشتات. الهاتف الذكي لم يغيّر طريقة تواصلنا فقط؛ بل غيّر شكل المجال العام نفسه. ما كان ساحةً مشتركة صار جزراً متفرقة من الإحباط الفردي.
تلمح هذا في وجوه شابّة تفترش مقاهي “الحمرا”، أو تنتظر حافلة الصباح بإرهاق صامت؛ عيون تائهة تفضّل الانسحاب مبكراً نحو عتمة غرفها، حيث يبدو الفراش الملاذ الأسهل.
ويبدو هذا التحول امتداداً طبيعياً لأيديولوجيات كبرى وعدت بالتحرير أوالعدالة أو الخلاص، قبل أن تتآكل تحت وطأة التسويات الإقليمية. تحولت تلك الوعود، في نظر كثيرين، إلى بضاعة تُسحب من التداول كلما اقتضت مصالح الغرف المغلقة؛ حيث تُستبدل الخطابات النارية بالتفاهمات الباردة، بينما تُترَك المجتمعات المحلية في الأطراف تواجه مصيرها وتدفع فاتورة الخيبات.
أحدث هذا الشرخ تهاوياً عميقاً في الوجدان؛ فالشباب أدركوا أن بلادهم لم تكن سوى مسرح لتوجيه رسائل الكبار. لكن الغضب هنا لا ينفجر في الشارع، بل يجري تفكيكه بذكاء عبر ما يمكن تسميته “خصخصة الألم”.
بدلاً من تحويل الإحباط إلى فعل سياسي، يُعاد توجيهه نحو مسارات فردية معزولة. فبدلاً من السؤال الجماعي: “لماذا انهارت المدينة؟”، يصبح السؤال الفردي: “لماذا لا أستطيع أنا التأقلم؟”.
ويتجلى ذلك في تفاصيل اليوم البيروتي؛ في الشاب الذي يلوم نفسه لأنه لم يعد قادراً على العمل بإنتاجية كاملة وسط انقطاع الكهرباء وانهيار الليرة. وحتى البطالة لم تعد تُقرأ كأزمة اقتصادية بنيوية، بل كفشل شخصي فيتطوير الذات واكتساب المهارات.
هنا يتم تسليع المعاناة؛ إذ أصبح الشاب مطالباً بمعالجة قلقه عبر “التفكير الإيجابي” وتطبيقات الرعاية الذاتية، كأن الصدمة الجماعية هي خلل فيه هو لا في واقع مدينته. العلاج النفسي ضرورة في كثير من الحالات، لكن ترويض الرغبة في تغيير العالم وتحويلها إلى تمرين يومي لتحسين المزاج يُفرغ الغضب من محتواه.
ولم يعد هذا الألم يعيش داخل النفس وحدها؛ فالتقنيات الرقمية تعرف كيف تعيد إنتاجه يومياً. الخوارزميات ترصد هذا الضجر وتغذيه، فتحاصر الشاب داخل غرفة صدى تعيد إليه قلقه في صور وأصوات وروايات كارثية لا تنتهي، تكرس قناعته بأن لا جدوى من أي فعل.
هذا الحصار يدفع الجيل الحالي نحو الانسحاب التام. الفراش في بيروت ليس فراش رفاهية أو كسل، بل متراس أخير وملاذ وجودي هرباً من مدينة لم تعد تعده بشيء. إنه احتجاج صامت بالجسد يعلن فيه هذا الجيل انسحابه من فضاء عام فاقد للمستقبل.
انسحابٌ لا يعكس غياباً للأخلاق المهنية؛ فالكثير من هؤلاء الشباب يعملون ويحاولون الهجرة، لكن ما يثقلهم هو اليقين بأن الجهد الفردي لم يعد كافياً لتغيير واقع يبدو أكبر من قدرتهم على التأثير فيه.
لكن الجسد لا يستطيع المكوث في السرير إلى الأبد، وحين يُجبر هذا الشاب على عبور عتبة غرفته والارتطام بالمدينة، يشهر سريعاً سلاحه الدفاعي الأخير: التهكم. وصحيح أن السخرية كانت تاريخياً أداة مقاومة في لبنان، لكنها تتحول اليوم إلى وسيلة للتكيف مع العجز أكثر من كونها أداة لتغييره.
النكتة أصبحت بديلاً عن الفعل، ووسيلة مجانية للتكيف مع القبح؛ مهرباً مأساوياً يحمل حنيناً دافئاً لزمن وبحبوحة لم يعشها هذا الجيل أصلاً، تماماً كما كان موسيه يبكي مجداً فرنسياً غاب قبل أن يولد.
ليس أخطر ما في هؤلاء الشباب أنهم ينامون طويلاً، بل أنهم استيقظوا مبكراً على حقيقة لم يكونوا مستعدين لها. يعيش شباب بيروت اليوم النسخةالأكثر مرارة من الخيبة؛ لقد اكتشفوا أن الوعود التي استهلكت أحلامهم لمتكن سوى استثمارات بعيدة عنهم.
ليغدو هذا الجيل في نهاية المطاف ثائراً مؤجلاً، يفاوض وحده سريراً بارداً في عتمة الليل، بعدما استُنزفت كل طاقته في محاولة تصديق أن الغد قد يكون مختلفاً.
