
بقلم الياس عيس الياس
يقف حيدر على طرف بيروت، وتقف زينة على طرفها الآخر. لا يفصل بينهما بحر ولا جبل، بل شارع واحد تحوّل إلى خط تماس. في فيلمه “بيروت اللقاء” (1981)، قدّم المخرج برهان علوية تشريحاً هادئاً لوعي جيل يدرك انسداد الأفق. لم تكن العلاقة بين حيدر المسلم وزينة المسيحية قصة حب مكتملة الأركان، بل كانت محاولة تواصل شاقة؛ يسعى فيها كل طرف لتلمّس ملامح الآخر وسط الركام. تفشل جغرافية بيروت الممزقة في تأمين لقائهما، وينتهي الفيلم بلا اجتماع. في المشهد الأخير، نكاد نسمع طنين الصمت في الشوارع الخالية، ووحشة الانتظار الذي لن يثمر؛ فراغ ثقيل يتركه غياب اللقاء، كأن المخرج يهمس لنا بأن أزمة المدينة أعمق بكثير من أن تحلها رغبة حبيبين. لكن هذا الاستغناء الجاد عن الكليشيه سرعان ما ابتلعته ماكينة السينما والدراما اللبنانية لاحقاً، وحوّلته إلى نمط رتيب: شاب من طائفة، وفتاة من أخرى، وحب كفيل بهدم الجدران. حتى في سينما نادين لبكي في “وهلأ لوين؟” رُحِّل الصراع الأهلي في النهاية إلى أزمة تديرها النساء بالحيلة. ورغم محاولات نقاد كثر قراءة العمل كنوع من تفكيك الهوية الطائفية، يبقى الفيلم أسير سؤاله الختامي المعلق: “وهلأ لوين؟”. إنه اعتراف مبطن بمأزق المسكنات العاطفية؛ فالواقع يعود بوجهه القاسي بمجرد أن تتلاشى الخدعة. هذا العجز نراه يتكرر بلا ملل في المسلسلات التلفزيونية، حيث يقف العشاق كضحايا لبيئات متعصبة مجهولة الأسباب؛ في آلية مريحة لتخدير الوعي، وتحويل الصراع السياسي والطبقي إلى مجرد نكد عائلي يسهل البكاء عليه بدلاً من مواجهة قبح البنية التي تسجننا جميعاً. ليست المشكلة في الحب، بل في ما يحجبه. حين نجرّد الحرب من سياقها التاريخي والاقتصادي ونصورها كصراع”عاطفة فاشلة” بين طائفتين، تغيب المسؤولية السياسية تماماً. تصبح قصة الحب أداة لحجب الفاعل الحقيقي وتبرئته؛ حيث يسهل نسيان من موّل النزاع ومن خطط له. هكذا يُختزل الانهيار البنيوي في “أزمة قلوب”، فيفرغ الفضاء العام من محتواه وتتعطل رغبة المحاسبة. هذا الميل إلى اختزال الصراعات الكبرى ليس ابتكاراً لبنانياً؛ بل يمتد إلى الطريقة التي أعدنا بها قراءة “روميو وجولييت” نفسها. لقد اختزلنا حكاية شكسبير لنصنع منها أيقونة رومانسية للمراهقين، متناسين أنه لم يكتب عن شرفة وردية بقدر ما كتب عن مجتمع مريض، تأكله ضغائن أهلية قاتلة تحول الحب نفسه إلى جثة هامدة. هذا التبسيط التجاري نجده يتكرر في كل صراع أهلي تاريخي. ففي أيرلندا الشمالية مثلاً، نحت النقاد الثقافيون مصطلحاً ساخراً هو “قمامةالاضطرابات” (Troubles Trash) لوصف سيل الروايات والأعمال السطحية التي أقحمت علاقات الحب العابرة للانقسامات كخلفية ميلودرامية؛ أعمال تبتلع تعقيد الصراع الدموي في بلفاست، وتصوّر الحرب وكأنها مجرد كراهية عفوية بين جيران عاجزين عن الحب. غير أن توظيف العاطفة في السياسة يحمل أبعاداً أكثر خطورة. في قصيدة “قانون الاتحاد” (Act of Union)، يفكك الشاعر الأيرلندي شيموس هيني كيف تُوظّف الاستعارات الجسدية والجنسية لإعادة تأطير العنف الاستعماري؛ حيث تتحول السيطرة البريطانية على أيرلندا إلى استعارة علاقة قسرية تنتج ولادة مأزومة لجيل العنف الطائفي، ما يحوّل القرار السياسي إلى قدر بيولوجي محتوم. لكن الفارق الجوهري يكمن في طريقة عمل هذه الاستعارة. فبينما كانت في الحالة الأيرلندية أداة “خارجية” فرضها المستعمر، نراها في لبنان تجريم قلوبة بشكل طوعي ومحلي تماماً؛ نحن نتبنى هذه الاستعارات العائلية لنبرر شللنا. كلما عجزت الطغمة الحاكمة عن إدارة البلاد، يخرج المحللون عبر الشاشات ليحدثونا بنبرة وعظية عن “ضرورة المساكنة السياسية” بين الخصوم، كأننا أمام زوجين غاضبين في محكمة شرعية لا أمام طبقة تتقاسم بلداً منهاراً. وإذا اختلفا على الحصص، وُصِف الأمر بـ “الطلاق الماروني”، وكأن المصلحة العامة مجرد مهر مؤجل في عقد متعثر. بل إن الأمر يتعدى النخبة إلى خطاب الشارع نفسه، حين تُرفع شعارات “العيش المشترك” كصيغة وجدانية دافئة تحل محل الحقوق والواجبات، بدلاً من طرح “المواطنة ودولة القانون” كصيغة تعاقدية صارمة. لسنا ضد العيش المشترك كقيمة، بل ضد اختزاله في خطاب أخلاقي بديل عن القانون؛ وكأننا نخاف من برود المؤسسات ونفضل عليه دفء العائلة، حتى لو كان هذا الدفء مبنياً على جمر الخوف المتبادل. تكمن فاعلية هذه اللغة الحميمية في أنها تمنح أمراء الطوائف غطاءً مريحاً للإفلات من العقاب. الخصم هنا ليس متهماً بنهب المال العام، بل هو مجرد”شريك صعب” تقتضي الحكمة تجرع السم ومساكنته حفاظاً على عائلة الوطن. بهذه الطريقة، تتحول الجرائم التاريخية من ملفات خاضعة للمحاسبة الجنائية إلى قضايا أحوال شخصية تُحل بالتسويات الرضائية خلف الأبواب المغلقة. وبدلاً من مناقشة غياب الدولة المدنية وهيمنة محاكم الطوائف التي تبتز النساء وتمنع الزواج المدني، نلوذ بقصة حب تلفزيونية يستهلك عبرها المشاهد غضبه وعاطفته، ثم يغادر شاشته ليبقى كل شيء على حاله. كيف يمكن لقصة حب، على نبلها، أن تهدم نظاماً يحميه التعليم المنقسم، والزبائنية السياسية، وميليشيات الطوائف؟ وهل تكفي العاطفة لكسر واقع صنعته القوانين والمؤسسات؟ لذلك، ليست المشكلة في أن حيدر وزينة لم يلتقيا في نهاية “بيروت اللقاء”. المشكلة في أننا ما زلنا ننتظر لقاءهما كمعجزة تخلصنا من واقعنا. إن الشارع الفاصل الذي يحول دون لقائهما لم ترسمه لعنة رومانسية، بلخطته قوانين ومؤسسات ومصالح مادية صلبة. وإزالة هذا الخط لا تبدأ مندموع الميلودراما وعناق العشاق، بل من شجاعة مجتمع يجرؤ على تسمية الأشياء بأسمائها؛ مجتمع يتوقف عن وصف الجريمة السياسية بـ”المساكنة”، ويدرك أخيراً أن ردم الشارع الفاصل هو مهمة سياسية وقانونية بحتة. حينها فقط، تصبح عودة حيدر وزينة—أو عدم عودتهما—تفصيلاً عابراً في بلد يحكمه القانون، لا معجزة عاطفية معلقة ننتظرها لترميم ما تبقى من أشلاء الوطن.
