من مسقط إلى بيروت: حين تُدار الأعباء على حساب الأضعف

بقلم الياس عيسى الياس
 
ليس لباب المندب ساحل على المتوسط، ولا تطل جزر البحر الأحمر على الساحل اللبناني. ومع ذلك، فإن الحسابات التي تُصنع عند الممرات المائية البعيدة تنتهي أعباؤها في بيروت.
 
فواشنطن تتبنى ما يمكن تسميته «إدارة الأعباء»، أي تقليل كلفة صراعاتها عبر نقل تبعاتها إلى الطرف الأضعف. وهي تفصل أمن الملاحة عن مصير الساحات المشتعلة.
 
وتصل هذه الأعباء إلى بيروت عبر حلقتين: إعادة توزيع إيرانية للأدوار، ثم انكشاف لبناني أمام الضغوط الإقليمية والإسرائيلية.
 
تتحدث تقارير نشرتها صحيفة «واشنطن بوست» عن اتصالات جرت في مسقط بين مسؤولين أميركيين ووفد من حركة «أنصار الله» (الحوثيين). ويبدو أن هذا التحرك يعكس محاولة لتجزئة الصراع: كفّ الحوثيين عن استهداف السفن الأميركية، مقابل عدم انخراط واشنطن في المواجهة البرية في اليمن.
 
ويتوافق هذا التوجه مع رغبة إدارة الرئيس دونالد ترامب في خفض التورط العسكري، بالتوازي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
 
في المقابل، يرى الحوثيون في اتصالات مسقط فرصة لتثبيت سلطتهم. والجماعة ليست مجرد أداة في يد طهران؛ فقد نشأت في سياق يمني قبل أن تتحول إلى شريك استراتيجي يهدد الملاحة.
 
وبحسب تقارير ملاحية، تُظهر تحركاتها نحو المخا وميون قدرتها على تعطيل الملاحة ورفع كلفة التأمين البحري بأدوات زهيدة الثمن.
 
وفي طهران، تُقرأ هذه التطورات ضمن حسابات أوسع؛ فالضغط الحوثي عند باب المندب، مضافاً إلى نفوذ إيران عند مضيق هرمز، يمنحها ورقة مساومة إضافية.
 
غير أن هذا الواقع يضع القيادة الإيرانية، بحسب قراءات محللين، أمام خيارين في مرحلة انتقال حساسة عقب تولّي مجتبى خامنئي منصب المرشد.
 
الخيار الأول يقوم على المقايضة وصرف المكاسب، ويتبناه التيار البراغماتي مستفيداً من تجربة الفاو: سيطرت عليها إيران عام 1986 ثم استعادها العراق عام 1988، وتعلّمت طهران حينها أن النصر الميداني بلا ترجمة سياسية قد ينقلب عبئاً.
 
أما الخيار الثاني فيتبناه الجناح المتشدد، ومفاده أن الردع غير المتكافئ الممتد هو الطريق الأنجع لانتزاع تنازلات من واشنطن.
 
وإذا صحّ أن هذا الصعود يدفع طهران إلى إعادة توزيع الثقل بين حلفائها، فإن لبنان أول من يشعر بذلك.
 
فبعدما كان «حزب الله» خط الردع الأول، يتجه توزيع الأدوار إلى تخصص جغرافي: يضغط الحوثيون على خطوط التجارة، بينما تتكفل الجبهات المتاخمة لإسرائيل بالردع المباشر.
 
وحتى لو تراجعت الأولوية التفاوضية للساحة اللبنانية في حسابات طهران، فإن ذلك لا يعني تراجع الأهمية العسكرية للحزب.
 
وكما يوضح الكاتب سام منسى في «الشرق الأوسط»، فإن الفوارق البنيوية تكمن في ظروف الحوثيين والحزب؛ فالحوثيون يحكمون بلا منافس يُذكر، بينما يتحرك «حزب الله» داخل دولة تعددية تتجه حكومتها إلى حصر السلاح، وتحت ضغط إسرائيلي مباشر على بيئته.
 
ومن ثمّ، فالتقدم الحوثي لا يعالج أزمة الحزب الداخلية ولا يمنحه شرعية إضافية.
 
وهنا تتضح الكلفة اللبنانية: خطر مضاعف أمام الدولة. فقد يرى «حزب الله» في التلاقي الأميركي – الحوثي دليلاً على أن الردع هو السبيل لإجبار الكبار على الاعتراف بدوره، فيزداد تمسكاً بسلاحه.
 
ومن جهة أخرى، قد تُغري الورقة الحوثية طهران باختزال لبنان في ورقة ثانوية؛ فإذا كفت الورقة اليمنية الحاجة التفاوضية، خُفّضت قيمة الورقة اللبنانية، فتكتفي واشنطن بإدارة الأزمات، بينما يظل لبنان مكشوفاً أمام الضغط الإسرائيلي.
 
وفي لبنان، الأكثر انكشافاً على هذه الحسابات، تتمثل الكلفة الإنسانية فينزوح أكثر من 1.2 مليون شخص وفق تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا» (أيلول 2026).
 
والمفارقة أن واشنطن تجزّئ الصراع لتقليل خسائرها، وطهران توسع مناورتها، بينما يدفع المدنيون الفاتورة الأكبر.
 
أمام هذا الواقع، لا يملك لبنان ترف المتفرج. وعلى السلطة اتخاذ خطوتين: الأولى إقرار جدول زمني لتنفيذ قرارات حصر السلاح بيد الدولة، والثانية تحرك دبلوماسي نحو اللجنة الخماسية والجامعة العربية لتأمين غطاء سياسي ومالي لانتشار الجيش جنوباً.
 
فالرهان على الآخرين وهمٌ قاتل. ولبنان، الأضعف بين اللاعبين والأكثر عرضة لتحمّل ثمن حسابات لا يد له فيها، لا يصون حاضره ومستقبله إلا باستعادة قراره الوطني.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top