كلبة.. إسرائيل!

كتب منير الحافي

ما زالت صورة البنت التي أطلقت حركة حماس سراحها من الاحتجاز في ذهني، وفي أذهان العديد من الناس غيري. أهمية هذه البنت بالذات، إضافة إلى أنها خرجت من مكان «الاستضافة» الفلسطيني وهي مبتسمة، صحتها جيدة، نظيفة، لا غبار عليها، فهي كانت تحمل كلبها الذي كان «محتجزاً» معها وأطلق وهو بصحة جيدة أيضاً!
إسم الفتاة التي احتجزتها المقاومة الفلسطينية في ٧ تشرين الأول الماضي، ميا ليمبرغ وعمرها ١٧ عاماً، كانت محتجزة مع أمها غابرييلا، وكلبتها «بيللا».

أظهرت المقاومة (حماس والجهاد وغيرهما) بالدليل أنها كرّمت المحتجزات والمحتجزين في الأسر. على الرغم من كثير من الأقاويل والادعاءات الإسرائيلية التي أطلقها مسؤولون إسرائيليون رسميون ووسائل إعلام عامة وخاصة ووسائل تواصل اجتماعي، أن حماس وأخواتها «قامت بفظاعات يوم السابع من أكتوبر بحق الإسرائيليين والإسرائيليات». موضوع «الكلبة بيللا» شغل الرأي العام الإسرائيلي والمُشاهد العالمي. دهش المشاهدون، وكسبت حماس نقطة إضافية في مرمى إسرائيل.

نقطة مشابهة ربحتها حماس، كانت في إطلاق سراح طفلة إيرلندية احتجزتها خلال عمليتها في غلاف غزة، وهي على خير ما يرام، بعد إعلان السلطات الإسرائيلية مقتلها خلال هجوم حماس. وما زاد في الأمر إثارةً، إعلان والدها يومها أنه «سعيد لمقتلها» عوضاً من أن تكون أسيرة لدى حماس. الطفلة تدعى إميلي هاند وتبلغ من العمر تسع سنوات. وكان والد إميلي، توماس وعائلته، يعيشون في حالة حداد بعد أن أعلنت الحكومة الإسرائيلية مقتلها على يد حماس.

وبعد أيام من الهجوم، ظهر توماس في لقاء مع شبكة سي أن أن الأميركية، وهو يبكي، ويتحدث عن اتصال السلطات به وإبلاغه بأن ابنته قد قتلتها حماس. وذكر حينها أنه كان «سعيداً بخبر موتها لأنه كان أهون عليه من أسرها في غزة». لماذا؟ قال هاند: «إن أسر إميلي يعني أنها ستتعرض لكل أشكال الإهانة والمعاناة، وأنها لن تجد حتى الطعام والشراب، لذا فإن خبر مقتلها أفضل من أسرها»!.
أطلقت حماس الطفلة وكسبت نقطة مهمة. أما الوالد فكان غير مصدق لما يراه.

في الحقيقة، تراكم المقاومة النقاط في المرمى الإسرائيلي، وتخسر إسرائيل الحرب رغم «فوزها».

حتى الآن، أين ربحت حماس وأين خسرت، وأين فازت إسرائيل وخسرت؟

١- حماس (والمقاومة) ربحت دعم الفلسطينيين الذين لا يريدون رؤية احتلال لأراضيهم، ويرون أن «الكلام الدبلوماسي» مع إسرائيل والولايات المتحدة يخسرهم الأرض يوماً بعد يوم، سواء في كل الضفة الغربية أو في القدس تحديداً. حتى المؤيدون للسلطة الفلسطينية التي أسسها المغفور له الزعيم ياسر عرفات، يعتبرون أن كل ضمانات أميركا لم ترجع قطعة أرض صغيرة واحدة للفلسطينيين من أيدي المستوطنين وداعميهم.

٢- حماس والمقاومة، تربح الوقت. والوقت عنصر مهم جداً سواء في الحرب أو في المفاوضات. منذ ٧ تشرين حتى اليوم الإثنين ٤ كانون الأول، يكون قد مرّ حوالى شهرين على عملية حماس، وحماس لم «تنته» ولم يتم سحقها كما وعد بذلك رئيس حكومة إسرائيل بنيامين نتنياهو وفريقه العسكري.

٣- حماس أظهرت أن «غزة تحت الأرض» ما زالت قادرة على مقارعة «إسرائيل فوق الأرض»! إسرائيل للتذكير، أتت الولايات المتحدة بقدرتها العظيمة، وبريطانيا العظمى، وفرنسا وألمانيا بعيد السابع من أوكتوبر لتقدم لها الدعم بالسلاح والمال وكل ما تريده. فيما غزة، محاصرة، وحيدة، مطبقٌ عليها بالحديد والنار من كل الجهات. وبموضوعية، نعرف أن إيران هي من ساعدت حماس على التدريب والتسليح والمناورة، قبل الحصار.

٤- في الخسارة، فقدت حماس عناصر كثراً من مقاتليها طبعاً. لكن الخسارة الأعظم هي في أرواح المدنيين الأبرياء الذي ارتقوا شهداء، جراء الاعتداءات الإسرائيلية الهائلة غير الإنسانية. لكنّ حماس عندها حجة يكررها مسؤولوها. هي تقول إن العملية في غلاف غزة في ٧ تشرين ما كانت لتحصل لولا الاحتلال الإسرائيلي لأراضي فلسطين. وتعتبر أن هذه العملية «حرّكت من جديد القضية الفلسطينية المنسية والموضوعة في أدراج العالم».

فوز إسرائيل تجلى في نقاط عدة، منها:

١- إسرائيل مدعومة من أميركا، إستعرضت بقوتها الجوية والمدفعية والبحرية على قطاع غزة المحاصر فقتلت (حتى كتابة المقال) أكثر من ١٥ ألفاً وخمسمئة شهيد فلسطيني وجرحت أكثر من واحد وأربعين ألفاً معظمهم من الأطفال والنساء!
٢- إسرائيل دمّرت معظم قطاع غزة، من أبنية ومنشآت ومستشفيات ومدارس ومساجد وكنائس.
٣- إسرائيل، ورغم دعم بعض الدول الغربية لها، خسرت سمعتها كدولة «ديمقراطية متحضرة» بين الرأي العالمي الحر حتى داخل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وغيرها.
٤- إسرائيل، زاد الكره لها داخل المجتمع العربي، حتى في الدول التي كانت قد وقّعت معها اتفاقيات سلام مثل مصر والأردن.
٥- إسرائيل، خسرت في اقتصادها الداخلي، وفي مشاريع اقتصادية كبرى كانت ستدر عليها المليارات من الدولارات، مثل طريق الهند-إسرائيل-أوروبا باعتراف مسؤولين هنود كبار.
٦- لم يعد الجيش الإسرائيلي «الجيش الذي لا يُقهر» جراء الخسائر الكبرى في عملية ٧ تشرين وفي الخسائر اليومية في الأرواح والعتاد من قبل المقاومة الفلسطينية في غزة. كما أن إسرائيل خسرت صفتها بأنها تحمي مواطنيها. صار عند هؤلاء، خصوصاً المستوطنين، شكٌ عظيم في ذلك.
٦- بنيامين نتنياهو، رئيس حكومة الاحتلال، إضافة إلى وزراء ومسؤولين عسكريين، ستتم محاسبتهم سواء شعبياً أو مسلكياً أو قانونياً فور انتهاء الحرب.

عندما أطلق سراح الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط، مقابل صفقة كبرى مع حماس في العام ٢٠١١ بعد خمس سنوات من الأسر، قيل يومها في الإعلام الإسرائيلي إن شاليط خرج مفتوناً بخاطفيه الفلسطينيين. كم سيكون من المخطوفين والمخطوفات الإسرائيليات الجدد «معجباً» بالفلسطينيين؟ كتبت وسائل إعلام إسرائيلية قبل يومين أن بنيامين نتنياهو طلب لقاء الراقصة الإسرائيلية التي تم تحريرها من كتائب القسام مايا بينغي فرفضت قائلة إن يده ملطخة بدماء أطفال غزة! أعتقد أنه لو استطاعت «الكلبة بيللا» نفسها أن تتحدث للإعلام لقالت رأيها أيضاً، ولرفضت الفظاعات التي تقترفها إسرائيل في غزة.

المصدر: موقع السهم

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top