
بقلم الياس عيسى الياس
بينما يخاف الناس اليوم من توقف التجارة وغلاء الأسعار بسبب التهديد الوجودي بإغلاق “مضيق هرمز”، وبينما تلاحق الرادارات الصواريخ في سماء الخليج، ثمة معركة أخرى تجري خلف الأبواب المغلقة في البيت الأبيض؛ معركة سلاحها “الكلام الكاذب” وضحيتها هي “الحقيقة” التي يحاول البعض إخفاءها.
لقد توقفتُ طويلاً عند مقال شديد الأهمية نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية (بتاريخ 22 آذار 2026). هذا المقال لم يكتبه صحفي واحد، بل صاغته “هيئة التحرير”؛ وهي مجموعة من صحفيي الرأي الذين تستند آراؤهم إلى الخبرة والبحث والنقاش والقيم الراسخة، وتعمل بشكل منفصل عن غرفة الأخبار لتقديم رؤية أخلاقية وسياسية شاملة.
هذا المقال ليس مجرد أخبار، بل هو “كشف حساب” يفضح كيف تدار الأمور بالخداع، ويضعنا أمام سؤال أخلاقي كبير: هل يجوز أن تُبنى الحروب على الأكاذيب؟ من يقرأ ما نشرته الهيئة يفهم فوراً أن المشكلة ليست في الحرب فقط، بل في وجود رئيس يعيش في عالم بعيد عن الواقع، وهو مشهد يذكرنا بما حدث قديماً في حروب “فيتنام” و”العراق”.
إن أول صفة يجب أن يتحلى بها أي قائد في وقت الأزمات هي “الصدق”، لكن ما يفعله الرئيس ترامب منذ بداية الهجوم في فبراير الماضي، هو محاولة واضحة لتزوير الواقع. فقد رصدت “نيويورك تايمز” بدقة كيف يوهم الناس بأن إيران تهرول نحو طاولة المفاوضات، بينما الواقع يقول إن طهران لا تظهر أي علامة على الاستسلام، بل وتزيد من تصعيدها العسكري.
الأمر وصل بترامب إلى حد ادعاء أن الجيش الأمريكي دمر “كل قدرات إيران العسكرية”، وفي نفس الوقت نراه يستدعي المزيد من القوات من كل مكان لمواجهة خطر يزعم هو نفسه أنه “انتهى”. هذا التناقض يثبت أن الكلام في وادٍ والواقع في وادٍ آخر، وهو سلوك ليس جديداً عليه، بل هو جزء من شخصيته السياسية التي بُنيت على التضليل.
تؤكد “هيئة التحرير” أن مسيرة ترامب السياسية بدأت بـ “ادعاء مضلل” كبير؛ وهو اتهامه الكاذب بأن باراك أوباما لم يولد في أمريكا بل في كينيا. لقد قاد ترامب لسنوات حملة تشكيك، زاعماً أنه أرسل محققين إلى هاواي وجدوا “أدلة لا تصدق”، ولم يظهر أي دليل منها أبداً. وحتى بعد نشر شهادة ميلاد أوباما الرسمية، وصفها ترامب بأنها “مزورة”، ليثبت أن الكذب عنده أداة لتحقيق مكاسب شخصية وزعزعة ثقة الناس في الحقائق.
تشير الإحصائيات التي استندت إليها الصحيفة إلى أن ترامب كان يطلق حوالي ثماني كذبات يومياً خلال ولايته الأولى. وإذا كان الناس قد تسامحوا مع ذلك في وقت السلم، فإن الكذب في “وقت الحرب” هو انتحار حقيقي؛ لأنه يشجع القادة العسكريين على تضليل بعضهم البعض، مما يخلق ثقافة تبرر الأخطاء القاتلة وتشرعن جرائم الحرب.
لقد كشفت الصحيفة بالأرقام تناقضاً صادماً؛ ترامب يدعي إبادة برنامج إيران النووي، ثم يستخدم ذات البرنامج كسبب لشن الحرب! والحقيقة بحسب “نيويورك تايمز” هي أن إيران لا تزال تملك قرابة 440 كيلوغراماً (970 رطلاً) من اليورانيوم عالي التخصيب، وهو ما يكفي لصناعة عشر قنابل نووية. هذا يعني أن الحرب إما قامت على معلومات كاذبة، أو أن الضربات السابقة كانت فاشلة ويحاول تغطيتها بالصراخ الإعلامي.
ولم يتوقف الخداع عند هذا الحد، بل وصل لجيش أمريكا نفسه. ترامب يقول للأمريكيين إن لديهم “مخازن سلاح لا تنتهي”، لكن الحقيقة المرة هي أن البنتاغون اضطر لسحب السلاح من قواعده في كوريا الجنوبية لتدعم حربها المتعثرة في الشرق الأوسط. كما ادعى أن “لا أحد” توقع رد الفعل الإيراني بضرب دول مجاورة، رغم أن الخبراء حذروه من هذا السيناريو تحديداً.
لكن أبشع قصة كشفت زيف ترامب هي مأساة بلدة “ميناب”. هناك سقط صاروخ على مدرسة ابتدائية وقتل 175 شخصاً، أغلبهم أطفال. ورغم أن الجيش الأمريكي اعترف بنزاهة بأن الصاروخ كان أمريكياً وسقط بالخطأ، إلا أن ترامب خرج ببساطة في 7 آذار ليتهم إيران بالجريمة، رافضاً قول الحقيقة رغم وضوح التحقيقات العسكرية.
هذا الاستهتار بأرواح الناس يذكرنا بمجازر سوداء في تاريخ أمريكا العسكري، مثل مجزرة “ماي لاي” عام 1968 إبان حرب فيتنام، حين قتلت القوات الأمريكية مئات المدنيين العزل وحاولت القيادة التستر على الحقيقة لشهور. وكذلك مجزرة “حديثة” في العراق عام 2005، حين قُتل 24 مدنياً عراقياً، بينهم نساء وأطفال، في عملية انتقامية أعقبها تضليل رسمي ادعى أنهم قضوا بانفجار قنبلة، قبل أن تنكشف الحقيقة المروعة.
إن الكذب في هذه الحالات لم يكن مجرد خطأ، بل كان “الغطاء” الذي يختبئ خلفه الفشل الاستراتيجي والجرائم الأخلاقية. وهذا ما جعل الشعب الأمريكي يفقد الثقة في حكومته، كما تظهر استطلاعات “غالوب” التي تؤكد أن أغلب الناس غير راضين عن مسار البلاد منذ أكاذيب حرب العراق عام 2003.
الحقيقة هي أن الكذب في الحرب لا يجلب النصر، بل يجعل الهزيمة مؤكدة. ترامب تجاهل تحذيرات مستشاره العسكري الأعلى بشأن مضيق هرمز، واليوم يدفع العالم بأسره ثمن هذه الغطرسة والجهل المتعمد بالحقائق الميدانية.
إن بدء الحرب هو القرار الأكثر قداسة وخطورة في حياة أي زعيم، لأنه ينهي حيوات ويغير مسارات التاريخ. لذا، فإن أي مكسب سياسي يظن ترامب أنه يحققه بالكذب، سيمحوه التاريخ الذي لا يرحم الكاذبين. وكما يذكر الناس اليوم رؤساء سابقين خدعوا شعوبهم، يبدو أن اسم ترامب سيُكتب في تلك القائمة السوداء.
إن الحقيقة، وإن توارت لزمنٍ خلف دخان المعارك وضجيج الخطابات، تظلُّ كالصخرة التي تنحسر عنها الأمواج؛ تظهر في النهاية بصلابتها القاسية لتعرّي الزيف. فمن بنى أمجاده على رمال الكذب، واهمٌ إن ظن أن البناء سيصمد، إذ سينهار السقف فوق رؤوس صانعيه لا محالة. إن الوقائع الدامية في “ميناب”، والحقائق المكبوتة في كل زاوية من هذا الصراع، تصرخ بأن زمن الخداع قد شارف على أفوله، وما تفنيد “نيويورك تايمز” اليوم إلا المسمار الأخير الذي يُدقُّ في نعش هذه الأباطيل.
