
بقلم الياس عيسى الياس
أرسل لي صديق يعيش في نيويورك صورة للنصب التذكاري الجديد لشعراء المهجر في ساحة إليزابيث بيرجر بمانهاتن. تفرّست في الصورة طويلاً؛ لوحة رخامية أنيقة، أحرف منقوشة بعناية، وصمت رسمي يليق ببلدية المدينة. فيشارع واشنطن هذا، كانت يوماً تفوح رائحة البهارات والصابون اللبناني من دكاكين المهاجرين الأوائل الذين حملوا معهم الشرق في حقائب من خيش. لكن الكلمات التي بحثتُ عنها في النص لم تأتِ: لم يرد اسم لبنان. نُسب الرواد إلى «سوريا الصغرى»، وكأن لبنان لم يكن. ذكرني صديقي على الفور بصورة جده الذي غادر يوماً من مرفأ بيروت وبقيت في حقيبته الورقية بضع كلمات وصورة ضيعة لم ينسها؛ هل كان هو أيضاً مجرد رقم في جغرافيا عابرة؟ لا أعرف. لكنني أعرف أنه لم يعتقد ذلك يوماً.
حين قرأنا اللوحة، لم نغضب لأسباب بروتوكولية أو دبلوماسية باردة، بل لأن ثمة فرقاً جوهرياً بين أن تُنسب إلى وثيقة إدارية فرضتها ظروف ذلك الزمن، وأن تُنسب إلى روح.
الاستعمال التاريخي القديم لتسمية “سوري” في المهجر، كخيار للمواجهةالإدارية أو تبيان التمايز عن السلطنة، لا يلغي الانتماء الثقافي والولادي لهؤلاء الكتّاب. جبران خليل جبران لم يخرج من فضاء هلامي بلا ملامح، بلخرج من بشري تحديداً، من ذلك الحجر الأشقر المطل على وادي قاديشا، من أصوات الرهبان في عتمة الليل، ومن صمت الثلج فوق قمم الأرز. وميخائيل نعيمة لم يحمل في قلبه صورة مدينة مجردة، بل حمل بسكنتا بمطرها الغزير وتيوسها الجبلية وعناد فلاحيها وجداته اللواتي كنّ يصلين بصوت عالٍ كأنهن يخاطبن السماء من على بُعد خطوة. وإيليا أبو ماضي لم يكتب قصيدته الكونية من عدم، بل كتبها وفي أعماقه روح قريته المحيدثة الهادئة، بتلك البساطة الشديدة التي تكون أحياناً أعمق من كل تعقيدات الفلسفة.
وربما يحق لأحدهم أن يسألني الآن، في غمرة هذا الجدال الصاخب: أليس في هذا الحرص شيء من الخوف؟ خوف البلد الصغير الذي يعرف أن كل ما يملكه في هذا المشرق العاصف هو اسمه؟ ربما. لن أنكر ذلك. لكن الخوف على الاسم ليس ضعفاً أو انغلاقاً، بل هو الشكل الأعمق للكرامة والدفاع عن فرادة الوجود في عالم يمحو التفاصيل بلا ندم.
ولم تذهب صرخة الاحتجاج التي قادها مثقفون ومؤرخون لبنانيون سدى؛ إذ تحركت القنوات الثقافية والدبلوماسية، بالتعاون مع لجان اغترابية، وانتُزعت صحيح رسمي يعيد الأمور إلى نصابها المعرفي على اللوحة التذكارية في مانهاتن، لتثبت بيروت، رغم كل جراحها ووهنها، أنها لا تفرّط بأطراف ثوبها الثقافي في عواصم القرار العالمي.
حين يستشهد البعض بقول جبران إن الأرض كلها وطنه والإنسانية كلها عشيرته، يظنون أنهم يثبتون شيئاً ضد الهوية. والحقيقة أنهم يثبتون عكسه تماماً؛ فالكونية ليست يُتماً، والشاعر الذي لا أرض له لا يملك ما يمنحه للعالم. شكسبير لم يكن يعتذر عن إنجليزيته حين يكتب عن الوعي البشري الإنساني. لوركا ظل يكتب بنَفَس أندلسي خالص ليخاطب وجدان العالم. ودرويش هل كان يحتاج أحد أن يسأله من أين هو وهو يحلّق بالشعر إلى أقاصي الحداثة؟ فلماذا وحده الأديب اللبناني مطالَب بأن يذوب في تسمية عابرة كي يُعترف بعالميته؟ كأن العالمية في حقه مشروطة بنسيان البيت الأول.
تلك التسمية الجغرافية والإدارية، “سوريا الصغرى”، التي استُخدمت فيزمن الدولة العثمانية وفي سجلات الهجرة الأميركية الأولى، فرضتها مرحلة تاريخية سبقت تبلور الكيانات الوطنية الحديثة، حين لم تكن الهويات القانونية قد ترسخت بعد في وجدان شعوبها. لكن الملامح الثقافية والاجتماعية للهوية اللبنانية لم تُولد بمرسوم عام ألف وتسعمئة وعشرين، بل كانت تتشكل وتختمر قبل قيام دولة لبنان الكبير بزمن طويل؛ نراها في الطريقة التي يبني بها أهل كسروان بيوتهم، وفي العناد الوجودي الذي يحمله أهل الجنوب في مواجهة كل سلطة، وفي ذلك المزاج الخاص الذي يجعل اللبناني حيثما حلّ في أصقاع الأرض يفتح دكاناً، يتعلم لغة البلد، ويحتفظ في الوقت ذاته بعلبة زعتر في المطبخ وصورة قديمة فوق التلفزيون.
لبنان الذي يعرفه العالم اليوم ليس لبنان المطار المعطّل، ولا لبنان أسعار الدولار والانهيارات المتتالية على تطبيقات الهواتف الذكية. لبنان الذي يعرفه العالم ويحترمه كتبه جبران بيده في غرفة صغيرة باردة في بوسطن وهو يتذكر ثلج الجبل، ونقشه نعيمة في “كرم على درب”، وحمله أمين الريحاني حتى مجالس الملوك والأمراء في الجزيرة العربية. هذا البلد الجريح لا يملك ترف التنازل عن رموزه الكبار؛ فهم ليسوا تراثاً خاصاً أو فولكلوراً محلياً، بل هم الوجه واللسان اللذان يتعرف بهما العالم على هذا شعب الذي لا يهدأ في منفاه ولا يرتاح في وطنه.
حين نتحرك لتصحيح نص اللوحة في مانهاتن، لا نمارس عنصرية جغرافية ضيقة، ولا نُلغي أحداً من جيراننا الذين نحترم تاريخهم. نحن فقط نرفض أن يموت جبران مرتين: مرة في بشري، ومرة في حديقة بنيويورك حين تُمحى منهويته الكلمة الأولى. العالمية لا تُولد من محو الجذور، بل من القدرة على تحويل هذه الجذور بالذات إلى لغة يفهمها العالم كله ويتأثر بها. وأنا أكتب هذا، لا أدعي اليقين المطلق في كل تفاصيل هذا الجدال التاريخي؛ لكنني أعرف شيئاً واحداً لا يقبل الجدال:
لبنان الحقيقي لا يسكن في المراسيم الرسمية ولا في خطب الساسة المملة؛ يسكن في تلك الجملة التي كتبها نعيمة يوماً عن أمه وهي تعجن الخبز قبل الفجر، وفي تلك الصورة التي رسمها جبران لإنسان يقف بين السماء والأرض لا يعرف إلى أيهما ينتمي أكثر. هذه الصور لم تولد في فضاءات إدارية غامضة. ولدت في الجبل اللبناني، حيث الصخر عنيد والهواء حاد والناس يحبون ويرحلون ويبكون ولا يعودون إلا في الأحلام.
وهذا كافٍ. ليس لادعاء النسب فحسب بل لرفض التوقيع على وثيقة النسيان.
