وحرامٌ أن تموت ذعراً قبل أن تصيبك الأنياب

بقلم الياس عيسى الياس

قبل أيام، وأنا أراقب شاشة هاتفي في مقهى زغرتاوي يضج بأحاديث جانبية عن الأسعار والتهديدات الأمنية، انتبهتُ إلى أنني أتنفس بصعوبة. لم يكن هناك خطر داهم في تلك اللحظة؛ قهوتي كانت ساخنة، والمكان آمننسبياً، لكن التمرير اللانهائي على شاشة “إكس” كان يضخ في عروقي سيلاً من الانهيارات المتوقعة والحروب المحتملة. شعرتُ حينها أن الخطر الحقيقي لا يهاجمنا بل يجعلنا ننتظر الهجوم، مصلوبين في مساحة رمادية قاتلة بين الترقب والوقوع.

تذكرتُ على الفور تلك التجربة التراثية التي تُنسب لابن سينا عن الحملين المتماثلين. أحدهما عاش في مرج واسع، والآخر حُبس في قفص يواجه ذئباً مستنفراً. تفصل بينهما قضبان صلبة مسافتها آمنة تماماً، ولم يكن الذئب قادراً على المساس بالحمل قط. لكن عواءه ونظراته المتربصة ظلتا تخترقان الفراغ. مضت الأسابيع دون أن يلمس الوحشُ الحملَ بأذى، لكن الصغير مات هزالاً وكمداً تحت وطأة رعب داخلي لا يهدأ.

الفارق بيننا وبين ذلك الحمل هو “السجان”. هو لم يختر قفصه، أما نحن فنشتري الذئب من سوق الأوهام الرقمية بملء إرادتنا، نضعه في زاوية الغرفة، ونقضي الساعات في التحديق به. أجسادنا ساذجة بيولوجياً؛ لاتفهم الخدع الرقمية ولا تفرق بين ذئب حقيقي وآخر يلمع خلف الزجاج. بمجرد أن تقرأ خبراً مفزعاً وأنت مستلقٍ في سريرك الوثير، تتصلب عضلات رقبتك ويسرع نبضك. الجسد يتصرف غريزياً كأنها مواجهة مباشرة ومسألة حياة أو موت، وفي حين تنتهي معارك الطبيعة سريعاً بالنجاة أو الهلاك، فإن معارك الشاشات تظل مفتوحة بلا نهاية، تستنزف طاقة الحياة في دمائنا قطرة وراء قطرة.
هذا الاستنفار المزمن لا ينبع من الشاشات وحدها؛ أحياناً يتجسد الذئب في لحم ودم داخل علاقاتنا اليومية، خصوصاً في بيئة ثقافية تقدس الاحتمال الأعمى، وتسمي الاستسلام صبراً، والجرح قدراً، والهرب من الأذى جبناً. بسبب هذا الإرث، نجد أنفسنا في غرف مغلقة مع أشخاص يمارسون ضدنا تقليلاً يومياً ناعماً وتهميشاً غير مرئي. شخص يأخذ منك قطعة صغيرة كل صباح، يستنزفك بانتظار كلمة رضا لن تأتي، حتى تجد نفسك تبحث عن ملامح روحك القديمة في صورك السابقة، وتتساءل إن كان ذلك الشخص الضاحك هو أنت فعلاً.

كتب الإمبراطور الرواقي ماركوس أوريليوس يوماً من قلب معاركه: “أنت تعاني من أشياء تخيلتها، لا من الأشياء ذاتها”. والمعنى يبدو مروعاً وبسيطاً في آن؛ أغلب ما ينهشنا ليس واقعاً يمشي على الأرض، بل هو عرض نديره نحن داخل رؤوسنا ونعيد تشغيله على مدار الساعة بإتقان مرهق.
النجاة من هذا كله لا تحتاج إلى حقائب سفر أو معارك صاخبة، بل تبدأ من القدرة البدائية على الالتفات وتغيير زاوية الرؤية. الانسحاب هنا خطوة هادئة وصامتة إلى الوراء؛ أن تمزق استمارات الاختبار التي يضعها الآخر لقياس جدارتك، وتغلق الباب خلف من يرى في طيبتك قلة حيلة. السكينة فيهذا العالم المضطرب هي صوم نفسي صارم، وليست منحة مجانية. هي قرار يومي وغير بطولي بإغلاق شاشة توشك أن تبتلع ما تبقى من هدوئك، أوبالصمت المفاجئ في وجه نقاش عقيم.
حين يشعر قلبك بالانكماش مجدداً أمام وحش يراقبك، تذكر أن القضبان صلبة، وأنك وحدك من يملك قرار تحويل النظر عن الزجاج. الوحش لا يملك مخالب؛ هو فقط يتغذى على ذعرك.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top