إهدن.. الدرس الذي لا نجرؤ على فهمه

بقلم الياس عيسى الياس
 
أمي كانت تحمل أخي الرضيع وتجري. لم يكن عمره يتجاوز أشهراً، وكان يصرخ من الذعر لا يفهم شيئاً مما يجري حوله. الرصاص الكثيف كان يصمّ الآذان، وأجراس كنائس زغرتا—تلك البلدة الوادعة في شمال لبنان—ترسل نحيبها الجماعي في كل اتجاه. كانت أمي تندفع مع الجموع المذعورة نحو كنيسة “سيدة زغرتا” الأثرية، لتحتمي بجدرانها العتيقة من فجيعة بدأت تتكشف ملامحها. كان ذلك صيف عام 1978، وكان ذلك الصراخ الطفولي رالخائف، في تلك اللحظة بالذات، معموديتي الأولى في تاريخ هذا البلد المثقل بالانكسارات.
 
في هذه البيئة المسيحية الشمالية المشحونة بالدم والرمز، كان الانقياد وراء السردية الحزبية الجاهزة هو الخيار الأسهل والأكثر أماناً. لكنني حين كبرت وقرأت وخالفت التوجهات السياسية لـ “تيار المردة”—القوة الأبرز في بلدتي—وعارضت خياراتهم ورؤيتهم لبناء الدولة، أدركت أن التحرر من عاطفة الولاء الأعمى هو وحده ما يسمح بقراءة مجزرة “إهدن” (المصيف الجبلي لزغرتا) خارج الحسابات العائلية الضيقة. إنه يسمح لنا برؤية كيف يمنح كبح الدم نجاةً لبلد بأكمله عند المنعطفات التاريخية، حتى لو بدا ذلك في عيون العشيرة انكساراً.
 
ففي فجر الثالث عشر من حزيران 1978، اقتحمت بلدة إهدن مجموعات عسكرية تابعة لحزب الكتائب اللبنانية، كان سمير جعجع أبرز قادتها الميدانيين، في ذروة صراع محتدم على النفوذ داخل الساحة المسيحية. هاجموا منزل الوزير والنائب طوني فرنجية، ما أسفر عن مقتله مع زوجته فيرا وطفلتهما جيهان ذات السنوات الثلاث، إلى جانب ثمانية وعشرين من أبناء البلدة وحراسها. كبرنا ونحن نحمل أرقام هذه الفاجعة وأسماء ضحاياها كوشم ثابت في ذاكرتنا الجماعية، في وقت كانت فيه الحرب الأهلية، في سنتها الثالثة، تتغذى على جثث أبنائها وتنتظر شرارة جديدة.
 
المطلوب من مجزرة إهدن كان واضحاً في بشاعته: إشعال حرب ثأر مسيحية-مسيحية تجرّ الشمال بأكمله إلى محرقة لا تنتهي، وتثبت بالدم والبارود أنه لا يمكن لهذه الجماعات أن تعيش معاً في وطن واحد. في تلك الساعات الرهيبة، كان الغضب العشائري يغلي في شوارع زغرتا، وكان الناس يطالبون بالنزول فوراً إلى الشارع وردّ الصاع صاعين، واقفين على حافة حريق شامل كفيل بابتلاع ما تبقى من لبنان.
 
وهنا تجلّت شجاعة سياسية نادرة من قلب الفجيعة. قرر رئيس الجمهورية الأسبق سليمان فرنجية (الجد) احتواء الصدمة، وشيّع عائلته بكبرياء صامت، مصدراً أوامر عسكرية حاسمة لكبح أي رد فعل انتقامي. لم يكن هذا الموقف نابعاً من ضعف، فالرجل كان يملك الرجال والسلاح والعصب القبلي والميداني الحاسم، لكنه أدرك بحسّ الفلاح الملتصق بأرضه أن دماء شهدائه أغلى من أن تُهدر في لعبة فتنة خطط لها الآخرون، ورفض أن تكون زغرتا الحطب الذي يحرق الهيكل فوق رؤوس الجميع.
 
بين فاجعة 1978 ولحظة المصالحة في الصرح البطريركي الماروني في”بكركي” عام 2018، مرت أربعون سنة كاملة. أربعون عاماً ظلت فيها الجراح تُحكى همساً في البيوت ولا تُكتب في الكتب، وكبرت أجيال كاملة وهي تنظر بريبة إلى جارتها بلدة “بشري”، رغم أن كيلومترات قليلة من شجر الأرز هي كل ما يفصل بين البلدتين.
 
المراقب من الخارج قد يرى في جلوس سليمان فرنجية (الحفيد) مع سمير جعجع عام 2018 مجرد مناورة سياسية فرضتها حسابات المعركة الرئاسية آنذاك. لكن من يعرف ثقل الدم في وجدان الريف الشمالي، يدرك حجم ماجرى؛ فاسم جعجع ظل طويلاً في الذاكرة المحلية مرادفاً لذلك الفجر الأسود. لذلك، لم تكن تلك المصافحة تنكراً للموتى، بل كانت اعترافاً متأخراً وشجاعاً بأن محاولة إلغاء الشريك بالبندقية هي انتحار جماعي، وأن العيش معاً، بكل مراراته، يبقى أرحم من الغرق في أحقاد نتوارثها جيلاً بعد جيل.
 
لا أستحضر هذا الجرح اليوم من باب التباكي، بل لأنني أرى بلدي يترنح على الحافة ذاتها. يكفي أن تراقب السجالات اليومية حول الانهيار الاقتصادي، أو تقاسم الصلاحيات، أو السلاح، لتدرك أننا نعيش في مناخ مشحون يشبه صيف 1978؛ حيث تحوّلت المنصات الرقمية إلى خنادق لا يُطل منها أحد إلا ليرمي شتيمة، وغدت الشوارع تضج برغبة دفينة في المواجهة. المعضلة أننا صرنا نخلط بين محاسبة المجرم وفكرة الانتقام الشامل، وبات الصوت العاقل وسط هذا الضجيج نادراً كالماء في الجفاف. نحن مجتمع يتقن استدعاء الماضي لكي يثأر، لا لكي يشفى.
 
ومن هذا الاختبار القاسي الذي مرّ به الجبل، يمكن للبنان بأكمله أن يتعلّم الدرس الذي لا يجرؤ كثيرون على فهمه: القوة الحقيقية ليست في كسر الخصم؛ كنت أظن ذلك طويلاً، ثم فهمت أنها في شيء أصعب بكثير: أنتملك شجاعة الصمت عندما يطالبك الجميع بالصراخ.
 
في صيف إهدن اليوم، حين يتهادى الضباب ليلفّ بيوت الحجر العتيقة، ويختلط حفيف شجر الشربين بضحكات سياح المقاهي ومذاق “الكبة الزغرتاوية” الشهيرة، تدرك أن هذه الحياة ما كانت لتستمر لولا أن رجلاً ما، هناك في ذلك الفجر البعيد، قرر برأس بارد وصدر مثقل بالدم ألا يطلق الرصاصة الانتقامية الأولى. أنظر اليوم إلى هذا السلام الهش، وأتذكر وجه أخي الرضيع وهو يبكي ذعراً على عتبة الكنيسة، متسائلاً بمرارة إن كان أطفالنا محكومين بالاستيقاظ يوماً على الفزع نفسه، فقط لأننا نرفض أن نتعلم.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top