أوهام القوة : ثلاثة قادرة في مأزق واحد

بقلم الياس عيسى الياس

اعتدتُ أن أنتظر مقالات توماس فريدمان في صحيفة “نيويورك تايمز”، لما تتمتع به من قدرة ذكية على ربط التطورات التقنية بالصراعات السياسية المعقدة. وفي مقاله الأخير الصادر في 21 تموز/يوليو 2026، والذي اختار له عنواناً حاداً ومباشراً: “ثلاثة قادة عالميين. ثلاثة قرارات سيئة للغاية” (Three World Leaders. Three Incredibly Bad Decisions)، يقدم فريدمان تحليلاً مكثفاً لمأزق الحكم في عالم اليوم، منطلقاً من ملاحظة لافتة: أن دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو وفلاديمير بوتين، رغم كل اختلافاتهم، يجمعهم خطأ واحد قاتل، وهو إحاطة أنفسهم ببطانة لا تقول لهم إلا ما يحبون سماعه، حتى تورطوا جميعاً في حروب مغلقة لا مخرج منها إلا بقبول الهزيمة. غير أنني لا أقرأ هذا النص كمجرد متابع، بل أحاول من خلاله أن أختبر مدى قدرة فكرة فريدمان على تفسير ما يجري في شرقنا الأوسط الذي نعيش تفاصيله اليومية عن قرب. ينطلق فريدمان من ملاحظة جوهرية أراها مصيبة إلى حد بعيد: ليس أيسر على القائد السياسي المأزوم من أن يهرب إلى الأمام. يرتدي الحاكم غرور القوة كدرع، ويتوهم أن امتلاك أدوات البطش العسكري يكفي لوحده لإعادة رسم الخرائط وتغيير الديمغرافيا. يضعنا فريدمان أمام مسار مشترك يجمع بين الثلاثة، محذراً من الخلل البنيوي الأجسم لديهم: بناء بطانة من المستشارين والعملاء لا يتقنون سوى ترجيع صدى رغبات الحاكم. لكن ما أدعو لتأمله وتطويره هنا هو أن المشكلة لا تكمن فقط في شهوة القائد للإطراء؛ بل في تحول المؤسسات الأمنية والتنفيذية نفسها إلى آليات بيروقراطية تُشرعن أوهام الرئيس وتصيغها في أطر تقنية براقة. في الجانب الإسرائيلي، أرى أن فريدمان لامَسَ عَصَباً حساساً حين فكك حدود العقل الاستخباري في تل أبيب. يورد فريدمان قاعدته الخاصة التي بلورها منذ عقود: إذا أردت اغتيال أحدهم في بيروت أو طهران فاتصل بالموساد، أما إذا أردت فهم الاتجاهات السياسية والاجتماعية في هاتين المدينتين فلا تتصل به؛ لأن السبب ذاته الذي يجعله بارعاً في الأولى هو ما يجعله سيئاً في الثانية. فبراعته في تجنيد الناقمين على أنظمتهم تجعله عرضة لتضخيم هؤلاء العملاء لضعف الأنظمة التي يريدون إسقاطها، طمعاً في مكاسبهم الخاصة. وهذا بالضبط ما يفسر، برأيي، الخطة التي كشفها فريدمان عن تجهيز الموساد للرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد ليخلف المرشد الأعلى، وهي خطة وصفها مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية بكلمة واحدة: “مهزلة”. فالرهان على تغيير الأنظمة عبر ضرب قمة الهرم السياسي، أو عبر استيراد قائد جاهز من الخارج، ليس سوى ذروة الانفصال عن الواقع وتجاهل تام للحس القومي للشعوب؛ وهو ما استحضره فريدمان نفسه حين استعاد سيرة محمد مصدق، الذي أطاح به انقلاب أجنبي عام 1953 فأشعل غضباً إيرانياً ما زال يتردد صداه حتى اليوم. وهنا تحديداً أجد نفسي مندفعاً للذهاب أبعد مما ذهب إليه فريدمان؛ فالمأزق الإسرائيلي ليس سوى نتاج لعقيدة أمنية تُسقط العوامل الثقافية والتاريخية من حساباتها، وتتعامل مع الجغرافيا كلوحة شطرنج بلا روح، وتخلط بين القدرة على الاغتيال والقدرة على الفهم. وأحسب أننا في لبنان، وتحديداً منذ ثمانينيات القرن الماضي، عرفنا عن قرب كيف يمكن لهذا النوع من الحسابات الخارجية أن يسيء قراءة مجتمع بأكمله، حين ظنّ صانعو القرار في تل أبيب أن بإمكانهم فهم موازين القوى الداخلية اللبنانية عبر بوابة عسكرية ضيقة، متجاهلين أن المجتمعات لا تُختزل في معادلة عسكرية مهما بدت مغرية آنياً. تلك التجربة، بمآلاتها المعقدة، تظل شاهداً مبكراً على هشاشة أي رهان يقوم على فرض الحلول من الخارج بمعزل عن إرادة الداخل وتوازناته الحقيقية. أما على الجانب الأمريكي، فيكشف لي طرح فريدمان عن كيفية انزلاق واشنطن خلف هذه التقييمات القاصرة. فالاندفاع نحو تصعيد مباشر مع طهران دون بناء شبكة حلفاء متماسكة، ودون “خطة ب” لاحتواء التداعيات، يظل نموذجاً للارتباك الاستراتيجي. ألمس في سلوك ترامب ميلاً طافحاً للتبسيط الاستعراضي وتهميش المؤسسات لصالح الانطباعات الذاتية، مما أتاح لطهران استغلال أوراق ضغط قليلة التكلفة وعالية التأثير، أبرزها التحكم بمضيق هرمز واستهداف حلفاء واشنطن الخليجيين كلما تجدد القصف. لكن النقد المنصف يحتم عليّ التساؤل أيضاً: هل نكتفي باللوم على تقييمات إسرائيل المضللة، أم نعترف بأن واشنطن نفسها تعاني من انقطاع ممتد عنفهم ديناميات المنطقة؟ إن إصرار الإدارات الأمريكية المتلاحقة على اختزال الشرق الأوسط في معادلات الردع العسكري هو الذي يدفعها دائماً نحو فخاخ استنزاف لا تنتهي. وعلى الضفة الإيرانية، لا يتردد فريدمان في تشخيص الانسداد الاستراتيجي لطهران؛ فحصر الخيارات في القمع الداخلي والحروب بالوكالة أدى إلى تآكل بنيوي حاد جعل الدولة عاجزة عن مواجهة أزمات تخرج عن الحسابات الأيديولوجية، أبرزها أزمة المياه الخانقة التي أشار إليها تقرير لمجلة “Bulletin of the Atomic Scientists”، وتحدث عن موجة حرّ قاربت فيها الحرارة خمسين درجة مئوية في طهران، واقتراب الخزانات المائية من الجفاف التام. ورغم عمق هذا التوصيف، إلا أنني أختلف مع حتمية فريدمان الرهانية؛ فهو يفترض أن الأزمات الطبيعية قادرة بمفردها على حسم المصائر السياسية، متجاهلاً قدرة الأنظمة الأيديولوجية المغلقة على التكيف مع البؤس المجتمعي وإعادة استغلاله لتكريس أدوات السيطرة ذاتها. وتتجلى هذه الأضاليل نفسها في النموذج الروسي الذي يسوقه فريدمان، مستشهداً بالمحلل روبين ليرد الذي وصف خطأ بوتين الأعمق بتصديقه روايته الخاصة عن “شعب واحد” يوحّد الروس والأوكرانيين؛ عمى أيديولوجي جعله يتوقع استقبال جنوده كمحررين، فإذا به يغرق في حرب استنزاف حوّلت الاقتصاد الروسي أسيراً للنزعة الريعية والتضييق البوليسي، بينما يقف بوتين، على حد تشبيه فريدمان اللاذع، كمن يفضّل الاستثمار في الأحصنة في زمن اختراع السيارات. ختاماً، أرى أن الأهمية الحقيقية لما كتبه فريدمان لا تكمن في قبول كل ما انتهى إليه من نتائج، بل في الدرس الواضح الذي يتركه لنا: إن خداع النفس وإغلاق الأذنين عن الحقائق الميدانية هما أسرع الطرق نحو الخسارة الكبرى. قد تمنح المكاسب السريعة القادة إحساساً زائفاً بالسيطرة، لكنها بغياب العقل والشرعية لا تعدو كونها تأجيلاً للانفجار القادم، أو كما يختم فريدمان بسخرية مريرة: تأجيلاً للحظة التي يجلس فيها هؤلاء القادة ليدفعوا الحساب ويأكلوا من “طبق الخيبة” ذاته الذي أقسموا يوماً أنهم لن يذوقوه. ومن قلب لبنان، الذي طالما دفع الثمن الأكبر لهذه المغامرات الدولية والإقليمية، يتأكد لنا يوماً بعد يوم أن أوهام فرض الحلول بالقوة من داخل الغرف المغلقة ستظل رهانات خاسرة، طالما أنها تتجاهل ناس الأرض وحقائق التاريخ.أوهام القوة: ثلاثة قادة في مأزق واحد بقم الياس عيسى الياس اعتدتُ أن أنتظر مقالات توماس فريدمان في صحيفة “نيويورك تايمز”، لما تتمتع به من قدرة ذكية على ربط التطورات التقنية بالصراعات السياسية المعقدة. وفي مقاله الأخير الصادر في 21 تموز/يوليو 2026، والذي اختار له عنواناً حاداً ومباشراً: “ثلاثة قادة عالميين. ثلاثة قرارات سيئة للغاية” (Three World Leaders. Three Incredibly Bad Decisions)، يقدم فريدمان تحليلاً مكثفاً لمأزق الحكم في عالم اليوم، منطلقاً من ملاحظة لافتة: أن دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو وفلاديمير بوتين، رغم كل اختلافاتهم، يجمعهم خطأ واحد قاتل، وهو إحاطة أنفسهم ببطانة لا تقول لهم إلا ما يحبون سماعه، حتى تورطوا جميعاً في حروب مغلقة لا مخرج منها إلا بقبول الهزيمة. غير أنني لا أقرأ هذا النص كمجرد متابع، بل أحاول من خلاله أن أختبر مدى قدرة فكرة فريدمان على تفسير ما يجري في شرقنا الأوسط الذي نعيش تفاصيله اليومية عن قرب. ينطلق فريدمان من ملاحظة جوهرية أراها مصيبة إلى حد بعيد: ليس أيسر على القائد السياسي المأزوم من أن يهرب إلى الأمام. يرتدي الحاكم غرور القوة كدرع، ويتوهم أن امتلاك أدوات البطش العسكري يكفي لوحده لإعادة رسم الخرائط وتغيير الديمغرافيا. يضعنا فريدمان أمام مسار مشترك يجمع بين الثلاثة، محذراً من الخلل البنيوي الأجسم لديهم: بناء بطانة من المستشارين والعملاء لا يتقنون سوى ترجيع صدى رغبات الحاكم. لكن ما أدعو لتأمله وتطويره هنا هو أن المشكلة لا تكمن فقط في شهوة القائد للإطراء؛ بل في تحول المؤسسات الأمنية والتنفيذية نفسها إلى آليات بيروقراطية تُشرعن أوهام الرئيس وتصيغها في أطر تقنية براقة. في الجانب الإسرائيلي، أرى أن فريدمان لامَسَ عَصَباً حساساً حين فكك حدود العقل الاستخباري في تل أبيب. يورد فريدمان قاعدته الخاصة التي بلورها منذ عقود: إذا أردت اغتيال أحدهم في بيروت أو طهران فاتصل بالموساد، أما إذا أردت فهم الاتجاهات السياسية والاجتماعية في هاتين المدينتين فلا تتصل به؛ لأن السبب ذاته الذي يجعله بارعاً في الأولى هو ما يجعله سيئاً في الثانية. فبراعته في تجنيد الناقمين على أنظمتهم تجعله عرضة لتضخيم هؤلاء العملاء لضعف الأنظمة التي يريدون إسقاطها، طمعاً في مكاسبهم الخاصة. وهذا بالضبط ما يفسر، برأيي، الخطة التي كشفها فريدمان عن تجهيز الموساد للرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد ليخلف المرشد الأعلى، وهي خطة وصفها مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية بكلمة واحدة: “مهزلة”. فالرهان على تغيير الأنظمة عبر ضرب قمة الهرم السياسي، أو عبر استيراد قائد جاهز من الخارج، ليس سوى ذروة الانفصال عن الواقع وتجاهل تام للحس القومي للشعوب؛ وهو ما استحضره فريدمان نفسه حين استعاد سيرة محمد مصدق، الذي أطاح به انقلاب أجنبي عام 1953 فأشعل غضباً إيرانياً ما زال يتردد صداه حتى اليوم. وهنا تحديداً أجد نفسي مندفعاً للذهاب أبعد مما ذهب إليه فريدمان؛ فالمأزق الإسرائيلي ليس سوى نتاج لعقيدة أمنية تُسقط العوامل الثقافية والتاريخية من حساباتها، وتتعامل مع الجغرافيا كلوحة شطرنج بلا روح، وتخلط بين القدرة على الاغتيال والقدرة على الفهم. وأحسب أننا في لبنان، وتحديداً منذ ثمانينيات القرن الماضي، عرفنا عن قرب كيف يمكن لهذا النوع من الحسابات الخارجية أن يسيء قراءة مجتمع بأكمله، حين ظنّ صانعو القرار في تل أبيب أن بإمكانهم فهم موازين القوى الداخلية اللبنانية عبر بوابة عسكرية ضيقة، متجاهلين أن المجتمعات لا تُختزل في معادلة عسكرية مهما بدت مغرية آنياً. تلك التجربة، بمآلاتها المعقدة، تظل شاهداً مبكراً على هشاشة أي رهان يقوم على فرض الحلول من الخارج بمعزل عن إرادة الداخل وتوازناته الحقيقية. أما على الجانب الأمريكي، فيكشف لي طرح فريدمان عن كيفية انزلاق واشنطن خلف هذه التقييمات القاصرة. فالاندفاع نحو تصعيد مباشر مع طهران دون بناء شبكة حلفاء متماسكة، ودون “خطة ب” لاحتواء التداعيات، يظل نموذجاً للارتباك الاستراتيجي. ألمس في سلوك ترامب ميلاً طافحاً للتبسيط الاستعراضي وتهميش المؤسسات لصالح الانطباعات الذاتية، مما أتاح لطهران استغلال أوراق ضغط قليلة التكلفة وعالية التأثير، أبرزها التحكم بمضيق هرمز واستهداف حلفاء واشنطن الخليجيين كلما تجدد القصف. لكن النقد المنصف يحتم عليّ التساؤل أيضاً: هل نكتفي باللوم على تقييمات إسرائيل المضللة، أم نعترف بأن واشنطن نفسها تعاني من انقطاع ممتد عنفهم ديناميات المنطقة؟ إن إصرار الإدارات الأمريكية المتلاحقة على اختزال الشرق الأوسط في معادلات الردع العسكري هو الذي يدفعها دائماً نحو فخاخ استنزاف لا تنتهي. وعلى الضفة الإيرانية، لا يتردد فريدمان في تشخيص الانسداد الاستراتيجي لطهران؛ فحصر الخيارات في القمع الداخلي والحروب بالوكالة أدى إلى تآكل بنيوي حاد جعل الدولة عاجزة عن مواجهة أزمات تخرج عن الحسابات الأيديولوجية، أبرزها أزمة المياه الخانقة التي أشار إليها تقرير لمجلة “Bulletin of the Atomic Scientists”، وتحدث عن موجة حرّ قاربت فيها الحرارة خمسين درجة مئوية في طهران، واقتراب الخزانات المائية من الجفاف التام. ورغم عمق هذا التوصيف، إلا أنني أختلف مع حتمية فريدمان الرهانية؛ فهو يفترض أن الأزمات الطبيعية قادرة بمفردها على حسم المصائر السياسية، متجاهلاً قدرة الأنظمة الأيديولوجية المغلقة على التكيف مع البؤس المجتمعي وإعادة استغلاله لتكريس أدوات السيطرة ذاتها. وتتجلى هذه الأضاليل نفسها في النموذج الروسي الذي يسوقه فريدمان، مستشهداً بالمحلل روبين ليرد الذي وصف خطأ بوتين الأعمق بتصديقه روايته الخاصة عن “شعب واحد” يوحّد الروس والأوكرانيين؛ عمى أيديولوجي جعله يتوقع استقبال جنوده كمحررين، فإذا به يغرق في حرب استنزاف حوّلت الاقتصاد الروسي أسيراً للنزعة الريعية والتضييق البوليسي، بينما يقف بوتين، على حد تشبيه فريدمان اللاذع، كمن يفضّل الاستثمار في الأحصنة في زمن اختراع السيارات. ختاماً، أرى أن الأهمية الحقيقية لما كتبه فريدمان لا تكمن في قبول كل ما انتهى إليه من نتائج، بل في الدرس الواضح الذي يتركه لنا: إن خداع النفس وإغلاق الأذنين عن الحقائق الميدانية هما أسرع الطرق نحو الخسارة الكبرى. قد تمنح المكاسب السريعة القادة إحساساً زائفاً بالسيطرة، لكنها بغياب العقل والشرعية لا تعدو كونها تأجيلاً للانفجار القادم، أو كما يختم فريدمان بسخرية مريرة: تأجيلاً للحظة التي يجلس فيها هؤلاء القادة ليدفعوا الحساب ويأكلوا من “طبق الخيبة” ذاته الذي أقسموا يوماً أنهم لن يذوقوه. ومن قلب لبنان، الذي طالما دفع الثمن الأكبر لهذه المغامرات الدولية والإقليمية، يتأكد لنا يوماً بعد يوم أن أوهام فرض الحلول بالقوة من داخل الغرف المغلقة ستظل رهانات خاسرة، طالما أنها تتجاهل ناس الأرض وحقائق التاريخ.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top