
بقلم الياس عيسى الياس
حين تنقسم المجتمعات، لا تبقى الملاعب خارج الانقسام؛ فهي تحمل إلى المدرجات ما تعجز السياسة عن احتوائه، وتحوّل المنافسة الرياضية إلى مرآة تعكس ما يختبئ في أعماق الذاكرة الجماعية.
لست من متابعي كرة السلة المنتظمين، على الرغم من أنها تُعد من أكثر الألعاب الجماهيرية استقطاباً للشغف في لبنان، لكن هذا التوتر العصبي المحموم والحماس الصافي الذي يرافق النهائيات كفيل، في كل مرة، بإرباك حيادي وإقحامي في أجوائها المشتعلة كأي متابع عتيق.
في بلد مثل لبنان، لا يدخل المشجع إلى المدرج مجرد إنسان يتأمل مهارة رياضية بحتة، بل يحمل معه ذاكرته، وانتماءه، وتراكمات بيئته الاجتماعية.
من هذا المنطلق، لم يمثّل “ديربي بيروت” بين ناديَي الحكمة والرياضي مجرد منافسة حول بطولة أو كأس، بل تحوّل على مر العقود إلى مرآة مصغرة للواقع اللبناني بتعقيداته؛ حيث التقت الروح الرياضية مع الحسابات الاجتماعية والسياسية الحادة.
تجلت هذه الديناميكية عقب انتهاء الحرب الأهلية في تسعينيات القرن الماضي. فمع النهضة الكبيرة التي شهدتها اللعبة، ترسخ في الوعي الشعبي استقطاب اجتماعي واضح: ارتباط نادي الحكمة بالبيئة المسيحية والمناطق الشرقية، مقابل ارتباط نادي الرياضي ببيئات إسلامية واسعة في العاصمة بيروت.
ورغم أن هذا التبسيط لم يعكس دائماً تنوع الخيارات الفردية للجمهور، إلا أنه شكّل إطاراً جاهزاً للشحن والتعبئة. وغالباً ما تنقل المجتمعات الخارجة من الصراعات بحثها عن الانتماء والهوية إلى القاعات المغلقة؛ فتحولت الملاعب في كثير من المحطات إلى مساحة بديلة للتعبير عن المحذورات السياسية وموازين القوى.
نشأنا في قريتنا وفي دوائرنا الضيقة ونحن نستشعر حدود الانتماء الرياضي كمسلّمات ثابتة وخطوط غير مرئية ولكنها شديدة الصرامة.
حتى إنني لا أزال أذكر تلك اللحظة التي صرح لي فيها أحد الأصدقاء بأنه يناصر النادي الرياضي؛ تملكني الذهول لثوانٍ، وتفرّست في وجهه بدهشة حقيقية قبل أن أسأله باستغراب عفوي ومباشر: “لماذا؟”.
لم يكن سؤالي ذاك يستهدف الرياضة أو اختياراته الشخصية بحد ذاتها، بل كان دهشة أمام كسر قاعدة اجتماعية غير مكتوبة، وتمرداً فردياً على عرف غير معلن كنا ننساق خلفه دون أن ندري.
غير أن المفارقة الأبرز في هذا المشهد تجلت على أرض الملعب نفسه؛ ففي الوقت الذي كانت فيه المدرجات تشتعل بالشحن الهوياتي والتنظير الفئوي، كان الفريقان يقدمان نموذجاً مناقضاً تماماً لما يجري في الخارج.
تشكيلة كل من الحكمة والرياضي، وعلى امتداد تاريخهما، لم تكن يوماً حكراً على طائفة واحدة، بل تضم لاعبين من مختلف أطياف المجتمع اللبناني يرتدون القميص الأخضر أو الأصفر جنباً إلى جنب.
على الخشب الباركية، تغيب الهويات الضيقة لتسود روح الفريق الواحد، فتبدو اللعبة كأنها تمارس مفارقة رمزية شفافة: أرضية تتدرب على التعايش والتكامل التجريبي يومياً، ومدرجات يبحث فيها الجمهور عن تأكيد الذات عبر الاستقطاب.
خلال حقبة الوصاية السورية، كانت المدرجات تشهد حضوراً أمنياً مشدداً ومراقبة حذرة لكل ما يخالف السقف المسموح به. لم يكن ذلك مجرد إجراء تنظيمي لمنع الشغب، بل كان انعكاساً لطبيعة إدارة المجال العام في البلاد آنذاك، ولعل ذلك يفسر كيف أصبحت بعض المباريات تُقرأ سياسياً أكثر مما تُقرأ رياضياً.
ومع أن لبنان تبدّل سياسياً خلال العقود اللاحقة، فإن الذاكرة الجماعية لم تتبدل بالسرعة نفسها؛ فالانتماءات التي وُلدت في زمن الانقسام بقيت تجد في الملاعب مساحة لإعادة التعبير عن نفسها، ولو بأشكال مختلفة.
والليلة، في الثالث من آب/أغسطس، تترقب القلوب موعد المباراة الفاصلة والأخيرة من السلسلة النهائية. وفي هذه اللحظة الحابسة للأنفاس، يتراجع السؤال الرياضي التقليدي عن هوية الكأس؛ فلا يهم حقيقةً من سيرفع اللقب في النهاية أو من سيتوج بطلاً على أرض الملعب، بل يبدو السؤال الأكثر إلحاحاً وعمقاً في الوجدان العام هو: هل ستنتهي هذه المواجهة على خير؟
ورغم أن الاتحاد اللبناني اضطر مؤخراً إلى اتخاذ قرارات حازمة وعقوبات مالية ومسلكية بحق الأندية والمدربين في محاولة للفصل بين المنافسة الرياضية والانفلات الجماهيري، إلا أن المشهد يؤكد أن اللعبة لا تزال تختزن شحنة انفعالية عالية تجعل من الحفاظ على السلم الأهلي والروح الرياضية الرهان الأكبر والأهم من النتيجة المدونة في سجل البطولة.
إن تجربة ديربي بيروت، التي منحت لبنان عصره الذهبي في كرة السلة وأوصلت أنديته إلى منصات التتويج القارية —بدءاً من إنجاز الحكمة التاريخي كأول فريق عربي يتوج ببطولة آسيا عام 1999 وصولاً إلى هيمنة الرياضي الآسيوية والعربية اللاحقة— تضعنا في النهاية أمام حقيقة تتجاوز الرياضة نفسها؛ فربما لم يكن ديربي بيروت يوماً مجرد مباراة في كرة السلة، بل كان دائماً اختباراً لقدرة اللبنانيين على تحويل الاختلاف إلى تنافس، لا إلى انقسام.
ويبقى السؤال معلقاً: هل تستطيع الرياضة أن تقتدي بلاعبيها فتتقدم على السياسة، أم ستظل المدرجات تحمل أعباء التاريخ والذاكرة جيلاً بعد جيل؟
