
بقلم الياس عيسى إلياس
في بيتي، تكرر ابنتي “كلارا” تساؤلاً عفويًا يعكس سؤالًا راود أجيالًا من الفتيات. تسأل ببراءة: “لماذا نرى الرجال دائمًا في الصدارة؟ في السياسة، والرياضة، وحتى في منافسات الطهي؟”.
كان من الصعب دائمًا تقديم إجابة تقنع طفلة تبحث عن نموذج يشبهها في عالم ما زالت تهيمن عليه الصور التقليدية للقيادة.
غير أن ما يجري هذه الأيام في أروقة المقر الدائم للأمم المتحدة بنيويورك، مع الاقتراب من نهاية ولاية الأمين العام أنطونيو غوتيريش في 31 كانون الأول/ديسمبر 2026، ربما يقدم الإجابة التي انتظرناها طويلاً.
فقد كشفت أصداء الاقتراع الاستطلاعي السري الأول، الذي جرى يوم الخميس 30 تموز/يوليو 2026 لاختيار خلفٍ يتسلم مهامه مع بداية عام2027، عن تحول لافت في المزاج الدولي.
إذ أظهرت النتائج ترشح سبعة أسماء (أربع نساء وثلاثة رجال)، مع تقدم واضح للترشيحات النسائية في بورصة الخيارات.
تصدّرت الخبيرة الاقتصادية الكوستاريكية ريبيكا غرينسبان، التي تقود منظمة “أونكتاد”، النتائج الأولية بعشرة أصوات تأييد.
لم تبلغ غرينسبان هذه المرتبة كمجاملة رمزية، بل بفضل رصيد نجاحها الميداني في إدارة مفاوضات “مبادرة حبوب البحر الأسود” المعقدة عام 2022؛ حيث انتزعت اتفاقاً أمن سلاسل إمداد الغذاء والأسمدة للأسواق النامية وسط نزاع مسلح ومباشر بين موسكو وكييف.
وحلت في المرتبة الثانية مندوبة غيانا الدائمة لدى الأمم المتحدة ووزيرة خارجيتها السابقة، كارولين رودريغيز-بيركيت، بتسعة أصوات، إلى جانب حضور قوي لأسماء بارزة مثل رئيسة تشيلي السابقة ميشيل باتشيليت ورئيسة الجمعية العامة السابقة ماريا فرناندا إسبينوسا.
في المقابل، حل مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي ثالثاً بسبعة أصوات، في مؤشر تحليلي يرى فيه المتابعون تفضيلاً للعمل الدبلوماسي التوافقي الهادئ على حساب الحضور الإعلامي الصاخب.
لكن الطريق نحو نيويورك ليس مفروشاً بالورود؛ فالبيانات المسرّبة أشارت إلى أن غرينسبان نفسها، رغم تصدرها القائمة، تلقت صوت اعتراض(Discourage) واحدًا على الأقل إلى جانب أصوات محايدة.
وهذا التوجس يعكس هشاشة التوافق الدولي، إذ إن اعتراضاً واحداً حاسماً من إحدى الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن كفيل بإسقاط أي ترشيح لاحقاً عبر استخدام حق النقض (الفيتو).
وبطبيعة الحال، لن يكون تولي امرأة لهذا المنصب الأممي عصا سحرية تنهي حالة الجمود التي تصيب مجلس الأمن أمام الحروب المشتعلة.
فالأمانة العامة القادمة ستواجه ملفات مصيرية ترتبط بإصلاح الهيكلية البيروقراطية للمنظمة، وتأمين التمويل في ظل الضغوط والتقليصات المالية المتوقعة، ناهيك عن موازنة المحاور الجيوسياسية المتصارعة.
مع ذلك، تبقى القيمة الإنسانية والأخلاقية لهذه اللحظة غير قابلة للاختزال. إن وصول امرأة إلى رأس الهرم الدولي يحوّل حضورها من “استثناء” يُحتفى به، إلى “حق طبيعي” يثبت أقدامه في الوعي الجمعي.
تحوّلٌ يمنح “كلارا” وكل فتاة تتابع هذا العالم اليوم يقينًا جديدًا: أحلامكنّ لاتحدها سقوف وهمية، وربما يكون مقعد القيادة هو المكان الطبيعي لإحداكنّ.
