
بقلم الياس عيسى الياس
حين نرى كرة القدم اليوم، ينتابنا إحساس غريب بأن اللعبة لم تعد تشبه تلك التي أحببناها وصرفنا سنين من عمرنا في متابعتها. لقد كبرنا ونحن نعتقد أن المستطيل الأخضر هو المساحة الوحيدة المتبقية للناس العاديين، المكان الذي يستوي فيه الجميع ويصرخون بالهتاف نفسه دون تفرقة.
لكن ما يدور اليوم خلف الكواليس المغلقة في الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) يضعنا أمام واقع مختلف تماماً، حيث يبدو أن كل تفصيلة وجدانية في هذه اللعبة أصبحت معروضة للتثمين والبيع في أسواق الاستثمار.
لم يعد الأمر مجرد تكهنات أو شائعات صحفية، بل خطة معلنة تجسدت في مشروع “FIFA Forward Enterprise”، وهو الكيان التجاري الجديد الذي يسعى الفيفا من خلاله إلى تجميع حقوق البث والرعاية والتذاكر والترخيص لكأس العالم، تمهيداً لبيع حصة أقلية تصل إلى 20% لمستثمرين وصناديق مالية، بصفقة تُقيّم الأصول التجارية بـ 20 مليار دولار وبمشاركة أطراف استثمارية بارزة مثل “ثرايف كابيتال”.
أتساءل كمشجع وقارئ متابع لهذا المسار: هل أصبحت البطولة التاريخية مجرد أصل استثماري يهدف إلى تحقيق أرباح سريعة وتوزيع عوائد على المساهمين؟
إن المشكلة الأساسية تكمن في أن القائمين على إدارة اللعبة باتوا يتصرفون وكأنهم المالك الحصري والوحيد لكأس العالم، بينما الحقيقة الأبسط هيأنهم مجرد مديرين مؤقتين لمشروع إنساني بناه الناس عبر عقود طويلة.
هذه الذاكرة الكروية المتراكمة لم تؤسسها مكاتب المحاماة في نيويورك أوجنيف، ولا الصناديق المالية الكبرى التي تبحث عن فرص جديدة لمضاعفة أصولها. نحن من صنعناها في الأزقة والبيوت؛ البائع في دكانه، والطفل الذي يركض خلف كرة بلاستيكية في حارة ضيقة، والأب الذي يورث حبه لمنتخب بلاده لابنه جيلًا بعد جيل.
الذاكرة الكروية هي تلك اللحظات الفريدة التي بكينا فيها فرحاً أو حزناً أمام الشاشات والمدرجات. هذا الشغف التلقائي هو ما يعطي كأس العالم قيمته الفعلية، وجلب رأس المال للاستحواذ على هذه التفاصيل يعني ببساطة تحويل مشاعرنا وانتماءاتنا إلى أرقام مجردة في جداول الأرباح الدورية.
لكن تجارب السنوات الأخيرة علمتنا أن الجمهور ليس مجرد متفرج لا حول له ولا قوة، وأن الوعي الجمعي قادر على قلب المعادلة؛ بل إن الرفض الصريح الذي أعلنه الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (اليويفا) مؤخراً ضد هذه الخطة يعيد إلى الأذهان سابقة قريبة.
أتذكر جيداً ما حدث في عام 2021 عندما حاولت مجموعة من كبار الأندية الأوروبية تأسيس ما سمي “دوري السوبر الأوروبي”. يومها ظن الماليون والمستثمرون أن أرقامهم ونفوذهم يمنحانهم الحق المطلق في إعادة تشكيل كرة القدم كما يشاؤون ودون العودة لأحد.
ماذا كانت النتيجة؟ غضب الناس، ونزل المشجعون إلى الشوارع والملاعب، وخلال 48 ساعة فقط انهار المشروع بأكمله واضطر الجميع للتراجع والاعتذار. أثبتت تلك التجربة التاريخية أن الجمهور قادر، في لحظات فارقة وحاسمة، على فرض حدود صارمة على القرارات التي تمس هوية اللعبة ورصيدها الوجداني.
اليوم نرى التوجه ذاته يتكرر بصيغ مختلفة لكنها تؤدي للنتيجة عينها. يبدأ الأمر برفع أسعار التذاكر إلى مستويات قياسية لا يقدر عليها المشجع البسيط، وتوسيع البطولات بشكل مفرط يرهق اللاعبين ويفرغ المباريات من قيمتها التنافسية، وصولاً إلى تجزئة حقوق البث بحيث يدفع المتابع اشتراكات متعددة لمجرد مشاهدة فريقه.
عندما تفرغ اللعبة من جمهورها الحقيقي لتصبح نادياً مغلقاً للنخب وأصحاب النفوذ المالي، ستفقد سحرها التلقائي، وتتحول إلى مجرد استعراض مادي باهت لا يثير اهتمام أحَد، لأن قيمتها الحقيقية كانت دائماً تشتق من الناس لا من أرقام العقود.
إن المعركة الراهنة حول مستقبل كأس العالم ليست مجرد نزاع إداري بين منظمات رياضية على تقسيم الأرباح، بل هي سؤال جوهري عن حقوقنا البسيطة في الفضاء العام وحق الجماهير في صيانة ذاكرتها الحية.
لا يحق لأي إدارة أو هيئة أن تتصرف باعتبارها المالك الوحيد للتاريخ والرموز والمشاعر التي تراكمت عبر قرن من الزمن. كرة القدم لم تكن يوماً ملكاً للرؤساء التنفيذيين ولا للسياسيين الذين يبحثون عن التقاط الصور في المناسبات؛ إنها ملك أولئك الذين يقفون تحت المطر في المدرجات الشعبية، والذين يراكمون الأمل والمأساة فوق عشب الملاعب.
فاللعبة التي صنعها الناس لا يمكن أن تتحول إلى سلعة يملكها قلة، دون أنتفقد روحها.
