بقلم الياس عيسى الياس
 
بدءاً من أيلول المقبل، يقفز راتب النائب اللبناني من ثلاثة آلاف إلى خمسة آلاف دولار شهرياً، عبر مرسوم ينقل اعتمادات مالية من احتياطي الموازنة إلى “صندوق تعاضد مجلس النواب”، على أن تُدفع الزيادة دفعة واحدة.
 
يحدث هذا في بلد يُفترض أنه يعيش تقشفاً مالياً صارماً، وتُربط فيه أيزيادة شحيحة لموظفي القطاع العام والعسكريين بسلاسل من الشروط والتقسيط والمراحل الممتدة حتى نهاية العام.
 
لا يقتصر الإشكال هنا على قيمة الرقم، بل ينصبّ على المبدأ القانوني والأخلاقي. فصندوق التعاضد النيابي، الممتد منذ تأسيسه عام 1994، أُنشئ على منطق التكافل، غير أن واقع الحال يشير إلى تحميل الخزينة العامة والضرائب كلفة تمويله المباشر.
 
والأهم من ذلك أن السلطة التشريعية تضع نفسها في حالة “تضارب للمصالح” صريحة؛ حين تصبح الجهة الصانعة للقرار المالي هي المستفيدة الأولى منه.
 
وتتضح هذه المفارقة حين يُقاس القرار بواقع القطاع التعليمي الرسمي. أختي، على سبيل المثال، معلمة متعاقدة منذ أكثر من ثلاثة عقود. قضت عمرها أمام اللوح تُخرج الأجيال، لكن تعب هذه السنوات كُوفئ ببديل قسري يُسمى “أجر الساعة”.
 
لا يصل هذا الأجر إلى حسابها بانتظام، بل يأتي بعد تجاذبات ومماطلة ممتدة لعدة أشهر.
 
ليست أختي سوى نموذج لآلاف الأساتذة المتعاقدين الذين يشكلون اليوم العمود الفقري للتعليم الرسمي. هؤلاء يُعاملون كعمال بالمياومة: بلا ضمان صحي، بلا بدل نقل منتظم، وبلا أي شبكة حماية اجتماعية أو تقاعدية.
 
يتوقف دخل المعلم المتعاقد فوراً إن أُغلقت المدرسة لعارض قسري، أو إن حال المرض دون وقوفه في الصف.
 
ولسنوات طويلة، بقي ملف التثبيت رهينة التجاذبات السياسية بدلاً من معالجته كاستحقاق وظيفي وإنساني، تحت الذريعة النمطية ذاتها: “غياب الاعتمادات المالية في الخزينة”.
 
وحين تتوفر الاعتمادات فجأة لرفاه المسؤولين وتغيب عن أبسط حقوق المواطنين، يسقط المنطق الذي تقوم عليه المؤسسات الرسمية.
 
فالدولة لا تُقاس بحجم ما تمنحه لنخبها، بل بسرعة إنصافها لمن يحملون هيكلها كل يوم. وحين يصبح تمويل امتيازات السلطة أسهل وأسرع من دفع حقوق المعلمين والموظفين، فإن الأزمة تتجاوز الأرقام لتصبح أزمة أولويات وأخلاق.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top