
بقلم الياس عيسى الياس
أقرّت لجنة المال والموازنة قانوناً لإصلاح المصارف، لكنه لا يكفي وحده لإعادة أموال المودعين. هذا المقال يشرح موقف المصارف، وموقف الدولة، وأين يقف الناس العاديون من كل هذا الجدل، ولماذا لا يزال قانون آخر أهم وأصعب في انتظار الإقرار. في الثالث من آب الجاري، أنهت لجنة المال والموازنة النيابية نقاشها حول تعديلات قانون إصلاح المصارف، تمهيداً لعرضه على الهيئة العامة لمجلس النواب في جلستها التشريعية المقررة يومي 11 و12 آب الجاري، بدعوة من رئيس المجلس نبيه بري، وضمن جدول أعمال يضم 14 بنداً. يُذكر أن هذا القانون كان قد أُقرّ للمرة الأولى قبل عام بالضبط، في 14 آب 2025، إلا أن ملاحظات صندوق النقد الدولي وقرار المجلس الدستوري بإبطال بعض بنوده دفعا الحكومة إلى إعداد مشروع تعديل شامل، وهو ما ستصوّت عليه الهيئة العامة هذا الأسبوع. غير أن هذا المسار التشريعي يبقى ناقصاً ما لم يكتمل بالتشريع المتمم له، وهو «قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع»، الذي لا يزال في مرحلة الإعداد داخل الحكومة، ولم يُدرج بعد على جدول أعمال مجلس النواب، تمهيداً لإحالته إلى البرلمان مقترناً بتمويل فعلي. أكتب هذه السطور كمواطن يعيش الأزمة يومياً، ويرى كواليس الأرقام والسجالات القانونية الباردة من قرب، بقدر ما يراقب الحرقة في عيون أهله وأصدقائه والمودعين من حوله حين يطالبون بجنى عمرهم. من هذا الموقع، أرى بوضوح كيف تتشابك المصالح وتتصادم المسؤوليات بين أطراف الأزمة، وكيف يمتد أثر الانهيار المالي ليطال أعمق تفاصيل حياتنا اليومية. تستند المصارف في موقفها إلى حجة قانونية ودستورية تبدأ من السؤال الأساسي: من أين جاءت الفجوة المالية؟ هي تعتبر أن الأزمة لم تنتج عن سوء إدارة داخلية فقط، بل عن قروض ضخمة امتدت لعقود لصالح الدولة ومصرف لبنان لتغطية العجز المالي وتثبيت سعر الصرف. بناءً على ذلك، تعترض الجمعية على إلزام أصحاب المصارف بشطب كامل رؤوس أموالهم (أي خسارتهم الكاملة لأموالهم في المصرف) دون أن تعترف الدولة بأنها هي أيضاً مدينة للمصارف بمبالغ ضخمة. وتحتج المصارف بأن هذا الإجراء يخالف المادة 15 من الدستور التي تحمي حق الملكية الخاصة. كما تطالب المصارف بوضع حدود واضحة لصلاحيات «الهيئة المصرفية العليا» (الجهة التي ستشرف على تطبيق القانون)، حتى لا تُغلق مصارف أو تُلغى عقودها لمجرد الشك، من دون حكم من القضاء. وتطلب المصارف أيضاً تأجيل القرارات القاسية بحقها إلى حين إقرار قانون الانتظام المالي. فهذا القانون هو الذي سيحدد بوضوح حصة كل طرف من الخسائر: الدولة، ومصرف لبنان، والمصارف نفسها. في المقابل، تنظر الدولة إلى الملف من زاوية التزاماتها الدولية لإدارة النزيف الاقتصادي. تعتبر السلطة أن المصارف حققت لسنوات أرباحاً ضخمة عبر “الهندسات المالية” (الفوائد المرتفعة جداً التي قدمها مصرف لبنان للمصارف بين عامي 2016 و2019) وعليها اليوم تحمل نصيبها من مخاطر الاستثمار. وتشدد الدولة على أن التعديلات الصادرة تمثل شرطاً لا مفر منه للتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي. ويهدف هذا الشرط إلى إغلاق المصارف غير القادرة على الاستمرار، ونقل “أموالها السليمة” (أي القروض والاستثمارات الجيدة التي لا تزال تُدرّ عائداً، بخلاف الديون المعدومة) إلى مصارف أخرى أكثر قدرة على العمل، وذلك لفتح باب المساعدات والقروض من الخارج. بالنسبة للدولة، لم يعد الوقت يسمح بالانتظار؛ والمضي في هذه التعديلات مع منح الهيئات الرقابية صلاحيات حاسمة أمر ضروري لإعادة هيكلة القطاع المصرفي ليناسب حجم الاقتصاد الحقيقي. أما المودعون من عامة الناس، فلا شأن لهم بكل هذا الجدل القانوني بين السلطة والمصارف. لا يهمهم كيف ستُنقل الحسابات من مصرف إلى آخر، ولا المصطلحات التقنية المعقدة. كل ما يعرفونه هو أن جنى عمرهم تحوّل إلى أرقام جافة على الورق، وأن تعاميم مصرفية متتالية، منعتهم من سحب معظم أموالهم كما كانوا يفعلون قبل الانهيار. يطالب الشارع ليل نهار بتمييز واضح بين الحسابات المشروعة (الأموال التي جمعها أصحابها من عملهم وادخارهم بطرق قانونية) والحسابات غيرالمشروعة (الأموال المشتبه بأنها نتيجة فساد أو تهرب ضريبي أو تحويلات مشبوهة)، مع حماية كاملة للودائع الصغرى والمتوسطة. ويريد الناس جدولاً زمنياً صادقاً ومكفولاً قانونياً لاسترداد بقية الأموال دون تسويف. يرى المودعون أن أي قانون يكتفي بترميم الميزانيات المحاسبية للمصارف (أي تعديل الأرقام والدفاتر المالية على الورق لتبدو المصارف بوضع أفضل) دون ضمانات ملموسة لإعادة الحقوق، يظل مجرد محاولة لتغطية ما يعتبرونه أكبر عملية مصادرة لأرزاق الناس في التاريخ الحديث. الثقة لا تُبنى بنص يُقره البرلمان وحده، ولا بشرط تشترطه مؤسسات دولية. الثقة تحتاج صدقاً حقيقياً، من كتابة القانون حتى تطبيقه على الأرض، وإرادة سياسية توزّع الخسائر بعدالة – لا أن يُترك المودع الضعيف وحده ليدفع ثمن الانهيار. وهنا يبرز تحذير مهم صدر عن لجنة المال والموازنة نفسها: فقد ربطت عدالة القانون بوجود “تمويل فعلي” يعيد الحقوق فعلاً، لا بوعود على ورق فقط. فإقرار قانون إصلاح المصارف هو مجرد خطوة أولى. وإذا لم يُقترن بشجاعة سياسية تُقرّ أيضاً قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع بتمويل حقيقي، سنبقى أمام نص بلا تأثير حقيقي، يسقط عند أول اختبار مع الواقع.
