
بقلم الياس عيسى الياس
بين حظرٍ صريح ومساحات حذرٍ مُشيّدة بالنصوص، أجدني اليوم في كتابة المقال والتحليل الصحافي أعبر مع أبناء الكلمة فوق سلكٍ ممدود على حافة الهاوية.
إن المعضلة الجوهرية في قانون الإعلام الجديد لا تكمن فقط في الصلاحيات والعقوبات التي قد تفتح باباً واسعاً للتدخل في العمل الإعلامي، بل في ذلك الشعور الثقيل الذي يتسلل إلى أصابعي كلما هممتُ بخطّ حبرٍ جديد. إنه تشريع يدفعني، قبل مناقشة ملف حساس أو نشر قراءة نقدية في الشأن العام، إلى قياس المسافة الأمنية بين الكلمة والأخرى، تجنباً للوقوع تحت طائلة تأويلات قد تتسع أو تضيق بحسب الحالة.
لقد كشفت الجلسة النيابية في الحادي عشر من آب الجاري في ما وصفته نقابتا الصحافة والمحررين بـ”الثلاثاء الأسود” عن عمق الانسداد التشريعي، بعدما أُقرّ القانون متضمناً المادة 104 التي تُجيز الحبس في مخالفات النشر.
ولم يكن موقف النقابتين مجرد اعتراض عابر، بل جاء تنديداً بتجاهل طلب سحب الاقتراح لثلاثة أشهر بغية تعديله، ليبلغ الموقف حدّ إعلان عدم الاعتراف بالتسوية ورفض ما وصفتاه بـ”قانون العار”، مع مناشدة رئيس الجمهورية ردّه، والتنبيه لخطورة المادة 115 التي تفتح باباً لتأسيس كيانات نقابية هجينة تفتت التمثيل النقابي، فضلاً عن البنود التي اعترض عليها وزير الإعلام بول مرقص علناً ومساعيه لتقديم مشروع معجّل لإلغائها.
لكن خطورة التشريع لا تقف عند حدود العقوبة الجزائية، بل تمتد إلى البيئة الاقتصادية والتنظيمية برمتها. فالنقاشات المتداولة حول إمكانية التراجع عن قيود الاحتكار في قطاعي البث والإعلان، أو حذف النصوص التي تمنح الوقاية من التعتيم والتحيز الإعلامي، تكشف عن مفارقة أعمق: كيف نضمن التعددية وحرية التعبير إذا فُتِح الباب أمام تركيز الملكية والنفوذ في أيدي الكارتيلات الكبرى؟
كما أن تركيبة “الهيئة الوطنية للإعلام” وصلاحياتها تثيران سؤالاً جدياً حول مدى استقلالية التنظيم عن السلطة، وعن قدرة المنصات الرقمية والمستقلة على الصمود والاستمرارية في سوقٍ غير متكافئة.
هنا يتجلى مفهوم “الأثر الرادع” (Chilling Effect) بأبسط تعاريفه: إن هذا الأثر لا يحتاج إلى قرار منع صريح؛ يكفي أن يجعل احتمال العقوبة حاضراً في ذهن الكاتب لحظة الكتابة، ليتحول احتمال العقوبة إلى رقابة ذاتية يمارسها الكاتب على نفسه تجنباً للمجهول.
أقعد أمام شاشتي، فتلوّح لي المادة 104 بعقوبة الحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات، أو بالغرامات المالية، في الحالات التي تجرّم فيها المادة تعمّد اختلاق الأضاليل ونشر الأخبار الكاذبة، في صياغة مطاطة تُبقي طيف السجن والملاحقة حاضراً فوق الأوراق.
غير أن التركيز على الحبس وحده يغفل جانباً أشدّ خفية. فلو أُلغيت العقوبة الجزائية غداً، أو استُبدلت الغرامات المباشرة بالإحالة إلى القضاء كالمقترح في المادة 90، فإن الأثر الرادع لا يختفي بالضرورة؛ إذ قد ينتقل من الخشية من السجن إلى كلفة المسار القضائي، وعدم اليقين التنظيمي.
وفي ظل غياب تعريفات محددة لمصطلحات مثل “الخبر الكاذب” أو “المساس بالمصلحة العامة”، يفقد المقال الفكري والقراءة النقدية حصانتهما، وتغدو ممارسة حرية الصحافة، عملياً، مرتبطة بقدرة المؤسسة أو الكاتب على تحمّل كلفة التقاضي وأعبائه.
تكاد استشارة المحامي قبل الضغط على زر النشر تتحول إلى طقس في العمل الصحافي الجديد. أراجع ملاحظاته القانونية الحذرة على مقالي الأخير، وأتساءل بتهكمٍ مرير: هل المطلوب منا اليوم أن نغلق ملفات النقاش العام الشائكة، ونطوي أوراق التحليل والنقد، لنجلس ونكتب مقالات هادئة وآمنة عن فوائد الشاي بالنعناع كي نسلم من مقصلة القانون؟
ليست هذه استقالة من الرسالة، بقدر ما هي مرآة لواقعٍ يُجبر فيه الكاتب على حماية نسق عمله. لم يعد المشرّع بحاجة لإغلاق المقرات لإسكات الأصوات الناقدة؛ يكفي أن يجعل كلفة المعلومة باهظة، وسعر البحث عن الحقيقة مهدداً للقمة العيش وللحرية.
وحين تصل الصحافة إلى هذه المرحلة، لن تكون السلطة بحاجة إلى منع المقالات؛ سيكفي أن يصبح “الشاي بالنعناع” طوعاً الموضوع الأكثر أماناً في غرفة الأخبار.
