لبنان بين أنقرة وأثينا: أزمة خيارات أم أزمة دولة؟سياسة “تشبيك المصالح” في مواجهة استقطابات شرق المتوسط

بقلم نزار شاكر

من بروتوكولات الزيارة إلى زلزال الاصطفافات
لم تكن زيارة رئيس الجمهورية إلى أثينا في نهاية شهر آب 2026 مجرد محطة دبلوماسية روتينية في سجل العلاقات الثنائية، بل جاءت فوق أرض تغلي بالتحولات، وربما لم تأتِ من فراغ؛ حيث إنها تقاطعت في لحظة واحدة مع ثلاثة زلازل جيوسياسية وطاقية بارزة: أولها: إعادة تموضع النشاط الاستكشافي اللبناني من البلوك 9 إلى البلوك 8 بعد خيبة بئر “قانا” والنتائج غير المشجعة له، والثانية: إعلان الاتفاق الدفاعي الثلاثي الاستراتيجي بين أنقرة والرياض وإسلام أباد في مكة خلال الشهر نفسه، وتأتي الثالثة بالتوازي مع تسارع خطط شبكات الربط الكهربائي والأمني في شرق المتوسط بين أثينا ونيقوسيا وإسرائيل.
لم تكن زيارة أثينا مجرد نزهة بروتوكولية؛ بل إن المدقق بها يرى أنها جاءت بعد أشهر من حراك أنقرة، وبعد أيام قليلة من إعلان حلف مكة، وفي الشهر نفسه الذي تتجه فيه الأنظار لعمق البحر، كأن الإقليم ببراكينه المتفجرة يقول لبيروت: اختاري موقعكِ… والآن.
وبالتالي لا تعني هذه الزيارة ومن الوهلة الأولى بأنها وبشكل تلقائي انحيازاً كاملاً في النزاع التركي-اليوناني، بل إنها تضع بيروت أمام حقيقة صلبة: وهي أن المنطقة تُعيد رسم “خرائط الطاقة والربط الشبكي” بالحديد والنار والكهرباء. والمفارقة القاتلة أمام هذا المشهد أن لبنان — المحكوم بموزاييكه التوافقي المأزوم /نظامه التوافقي المركب/— يقف أمام هذه الخرائط متسائلاً: هل ما زالت “بلاغة التوازن” التقليدية قادرة على ممارسة حمايته دون أي كلفة إضافية؟ أم أن أصفاد شلله الداخلي جعلت عدم الاختيار بحد ذاته خياراً مكلفاً؟ أم أن المشكلة الحقيقية باتت تتعدى ضغوط المحاور إلى مدى قدرة المؤسسات اللبنانية نفسها على إدارة هذا التعقيد؟

شرق المتوسط… تدافع وجودي على خطوط الإمداد : تنافس الرؤى البحرية ومشاريع الربط الشبكي.
الخلاف (التركي-اليوناني) الممتد من بحر إيجة إلى سواحل ليبيا ليس نزاعاً تقنياً على خطوط التماس، بل هو تدافع وجودي على تشكيل الترتيبات البحرية وطرق النقل للقرن الحادي والعشرين.
أنقرة: تنظر بحساسية قصوى لأي ترتيبات خاصة ما تعتبره تحالفات إقليمية تستهدف تكرس شطبها من معادلات الطاقة والتأثير؛ وتستند في ذلك إلى عقيدة “الوطن الأزرق” (Mavi Vatan)، وبحكم حضورها في إقليم تاريخي وجغرافي ممتد بين الأناضول والمشرق العربي. ومن هذا المنطلق، لا ترى أنقرة في شرق المتوسط مجرد ساحة تنافس نفطي، بل جغرافيا حيوية تشكل فيها موانئ الشمال اللبناني وسواحله امتداداً طبيعياً لمسارات التجارة والترانزيت.
أثينا ونيقوسيا: تواصلان تعزيز أمن الطاقة عبر شبكات الربط الكهربائي وتأطير الشراكات مع الغرب، وتستضيفان الأسطول الأمريكي في “سوفدا” كـ “عنصر ردع واستقرار”.
بيروت: طوّرت مسارها البحري بدخول اتفاق ترسيم المنطقة الاقتصادية الخالصة مع قبرص حيز التنفيذ في 2026 وتسجيله رسمياً، وتعمل على جلب الاهتمام الاستثماري للبلوك 8. لكنها ما زالت تكابِد غياب البنية التحتية، والشركة الوطنية، والسوق الاستيعابي.
التحدي أمام لبنان ليس مفاضلة قسرية بين أنقرة وأثينا؛ التحدي الحقيقي هو أن النزاع المتوسطي انتقل من سؤال “من يملك الغاز؟” إلى “من يملك شبكات الطاقة والأنابيب وطرق عبورها؟”. وفي بيئة مشحونة كهذه، فإن أي خطوة مرتجلة من بيروت قد تُقرأ في عاصمة كإعلان إنحياز ضد عاصمة أخرى.

حلف مكة والتحول السوري… تضييق هامش المناورة: فك تشفير المعادلات الجديدة وتداعياتها على الجنوب والشمال.
يأتي التطور المتوسطي متزامناً مع إعادة هيكلة هندسية للتوازنات الإقليمية، تتبدى في محطتين حاسمتين:
حلف مكة الثلاثي (الرياض – أنقرة – إسلام أباد): دخول باكستان النووية على خط المعادلة الدفاعية مع السعودية وتركيا ليس حدثاً عابراً؛ إنه يمثل تشكيل مظلة ردع وإعادة رسم لخرائط النفوذ الإقليمي. هذا التحالف يترك أثراً مباشراً على المشهد اللبناني، وتحديداً على جبهة الجنوب ومستقبل التوازنات العسكرية، حيث يضغط نحو إعادة تعريف أدوار القوى الإقليمية، ويعيد صياغة معادلات الردع بعيداً عن الهيمنات الأحادية.
المسار اللوجستي والعمق السوري: بالتوازي مع التحولات في دمشق وسعيها لإعادة صياغة علاقاتها الإقليمية، تظل تركيا البوابة الحيوية للتجارة البرية والبحرية. وهنا تبرز جغرافيا الشمال اللبناني — من مرفأ طرابلس إلى الطروحات الحيوية لمطار القليعات — كـ “حاجة لوجستية وممر بديل” لا غنى عنه، مما يتطلب من صانع القرار اللبناني الذهاب نحو “براغماتية النزع من الأغلال” بدلاً من الانتظار السلبي.
المسار الاقتصادي والطاقي: تتطلع بيروت لفك تجميد التعهدات والاستثمارات الخليجية المعلقة منذ سنوات، غير أن هذا التعافي يظل مشروطاً بقدرة لبنان على تقديم نموذج حوكمة صلب ورسائل استقرار تطمئن الشركاء الإقليميين والشركات الدولية الكبرى (TotalEnergies وEni).
القضية ليست مفاضلة مجردة بين “المسار الخليجي-التركي” و”المسار الأوروبي-المتوسطي”؛ بل كيف تستطيع دولة صغيرة تقع في قلب العاصفة أن تشبك المصالح الاقتصادية للمسارين معاً دون أن تتحول إلى ساحة تصفية حسابات.

السيناريوهات الأربعة… وأيها الأجدى؟ : من خيارات العجز إلى هندسة القرار.
سيناريو “التوازن المؤسسي النشط”: (فصل العقود الاقتصادية والاستكشافية عن الاصطفافات السياسية، وتشبيك المصالح مع الجميع) يمنح لبنان قدرة على استثمار موقعه والاستفادة من كافة المحاور، لكنه يتطلب وجود مركز قرار موحد ومؤسسات حوكمة صلبة تملك “الوزن التفاوضي” لإدارة الأوراق الوطنية.
سيناريو “الاندماج المتسارع مع المحور المتوسطي”: (التركيز الكامل على التنسيق مع أثينا ونيقوسيا وباريس) يؤمّن غطاءً أوروبياً وطاقياً، ولكنه يرفع من درجة الحساسية والتأزم في العلاقات مع أنقرة والشركاء الإقليميين.
سيناريو “الانفتاح على المسار الخليجي-التركي”: (إعطاء الأولوية للتفاهمات مع الرياض وأنقرة) يفتح أبواب الاستثمار وإعادة الإعمار والمسارات البرية واللوجستية في الشمال، ولكنه قد يخلق تعقيدات مع الشركات والدول الغربية الراعية لملف الطاقة.
سيناريو “التأجيل والانتظار”: (تجميد البت في الملفات البحرية واللوجستية انتظاراً لـ “اتضاح الصورة”) يمنح صانع القرار هروباً مؤقتاً، لكنه يفوت “نافذة الفرصة الاستثمارية”، ويترك الجوار يستخرج ويمضي بينما يبقى لبنان مكبلاً بعجزه.
الخيار الوحيد القابل للحياة ليس الانحياز القسري لأي محور، بل “التوازن المؤسسي النشط”؛ شرط ألا يُمارَس كـ “خطاب إنشائي”، بل كـ “سياسة تشبيك مصالح” تشغل مرفأ طرابلس ومصفاتها وكذلك تفعيل مطار القليعات لاعتباره حاجة لبنانية شمالي ومتنفس للجنوب والساحل السوري ، كما وتفعل البلوك 8، والتي تدير التناقضات بكفاءة دولة حقيقية.
إن تجربة التحركات السورية الأخيرة تُظهر كيف تحاول دول المنطقة تحويل تعدد علاقاتها إلى أداة تفاوض وتجميع للمصالح، بينما تكمن أزمة لبنان التاريخية في أن تعدد علاقاته الخارجي لا يزال مجرد انعكاس لتشتت مركز القرار وانقسام الإرادة في الداخل

من “شريعة البقاء” إلى “سياسة إدارة المصالح”
إن زيارة أثينا، وما سبقها وتلاها من محطات، تقرع ناقوس الخطر: لبنان في قلب زلزال شرق المتوسط، والحياد السلبي لم يعد شريعة بقاء، بل طريقاً صريحاً للتهميش.
ويبقى السؤال التأسيسي الحاسم أمام صانع القرار في بيروت: هل تكمن الأزمة في ضغوط المحاور الخارجية، أم في غياب “الدولة القادرة” التي تملك الوزن والجرأة لتحويل تنوع المزاريب الإقليمية إلى استراتيجية وطنية لحماية الوجود؟
إن اللحظة الجيوسياسية الراهنة تتطلب الانتقال الفوري من “بلاغة النأي بالنفس” العاجزة إلى “مؤسسية التوازن” الفاعلة. فخرائط الطاقة والأمن والربط اللوجستي في المنطقة تُرسَم الآن ببراغماتية صلبة، ومن لا يملك أدوات الرسم والمبادرة على طاولته، تُرسَم حدوده ومستقبله بريشة الآخرين.

من “شريعة البقاء” إلى “سياسة إدارة المصالح”
إن زيارة أثينا، وما سبقها وتلاها من محطات، تقرع ناقوس الخطر: لبنان في قلب زلزال شرق المتوسط، والحياد السلبي لم يعد شريعة بقاء، بل طريقاً صريحاً للتهميش.
ويبقى السؤال التأسيسي الحاسم أمام صانع القرار في بيروت: هل تكمن الأزمة في ضغوط المحاور الخارجية، أم في غياب “الدولة القادرة” التي تملك الوزن والجرأة لتحويل تنوع المزاريب الإقليمية إلى استراتيجية وطنية لحماية الوجود؟
إن اللحظة الجيوسياسية الراهنة تتطلب الانتقال الفوري من “بلاغة النأي بالنفس” العاجزة إلى “مؤسسية التوازن” الفاعلة. فخرائط الطاقة والأمن والربط اللوجستي في المنطقة تُرسَم الآن ببراغماتية صلبة، ومن لا يملك أدوات الرسم والمبادرة على طاولته، تُرسَم حدوده ومستقبله بريشة الآخرين.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top