
بقلم الياس عيسى الياس
بعد نحو عقد على صدور كتاب «شكراً لك على التأخير» للكاتب والصحافي الأميركي توماس فريدمان، يبدو ما وصفه في عام 2016 واقعاً نعيشه يومياً بكل تفاصيله. ووسط صخب الأزمات اليومية في منطقة لا تهدأ، حيث تقتحم الشاشات منازلنا بفيض متواصل من الأخبار المقلقة، يغدو سؤال الوقت وإيقاع الحياة مسألة وجودية تفرض نفسها علينا. تنطلق فكرة فريدمان من واقعة بالغة البساطة.
ففي أحد مطاعم واشنطن، وخلال موعد غداء كان يجمعه بضيفه، تأخر الأخير عن الموعد بضع دقائق بسبب زحام السير. في عالمنا المعاصر، عادة ما يثير هذا التأخير غضباً مكتوماً؛ نرقب عقارب الساعة بنزق، ونشعر بأن كل دقيقة تفوت هي خسارة تُسرق من رصيد وقتنا المجهد.
غير أن فريدمان، وحين وصل ضيفه، بادر إلى قول عبارة لم يخطط لها: «شكراً لك على التأخير!». لم تكن العبارة مجاملة عابرة، بل كانت لحظة انتباه خاطفة. لقد اكتشف أن تلك الدقائق التي اقتطعتها المصادفة من قبضة الوقت كانت الفرصة الوحيدة طوال يومه ليتوقف عن الركض، ويتنفس ببطء، وينظر إلى حياته من الخارج.
ومن هذا الهامش الزمني الضيق، يصل إلى أطروحة الكتاب: لماذا أصبحت حياتنا عاصفة متصلة؟ ولماذا بات التوقف نفسه يبدو في ثقافة اليوم وكأنه تقصير بحق الكفاءة والإنتاج؟
يقدم فريدمان تشخيصاً لواقع يزداد ضغطاً، حيث نعيش جميعاً وسط إعصار متسارع تتضافر في صناعته ثلاث قوى كبرى: التكنولوجيا، والسوق، والطبيعة (Moore’s Law, Market, Mother Nature).
القوة الأولى هي التسارع التكنولوجي وما رافقه من نمو هائل في القدرة الحاسوبية وفق ما عُرف بـ «قانون مور» وانخفاض حاد في كلفة معالجة البيانات، بحيث لم تعد التقنية مجرد أدوات نستخدمها، بل بيئة كاملة نعيش داخلها وتؤثر في طريقة تفكيرنا وتواصلنا.
والقوة الثانية هي العولمة الجديدة والسوق الحر القائم على التدفق اللحظي للبيانات والأفكار ورؤوس الأموال، مما أضعف أثر الحدود الجغرافية ووسّع نطاق المنافسة.
أما القوة الثالثة فهي الطبيعة المتمثلة في الضغوط البيئية والتغير المناخي الذي أرهق موارد الأرض وأصبح يهدد استقرار المجتمعات.
تتداخل هذه القوى الثلاث لتصنع حلقة متلاحقة؛ فالتطور التقني يسرّع العولمة، والنمو العولمي يضغط على البيئة، والأزمات البيئية تستدعي حلولاً تكنولوجية أسرع.
غير أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الشاشات ولا في حركة الأسواق بحد ذاتها، بل في الفجوة العمياء بين سرعة هذه القوى وبطء القدرة البشرية والمؤسسية على التكيف. فالإنسان، في بنيته النفسية والاجتماعية، لا يتغير بالسرعة نفسها التي تتغير بها التكنولوجيا والأسواق. وهنا تنكسر الطمأنينة الداخلية؛ فيسود شعور بالتشتت، وتفقد المجتمعات قدرتها على التنبؤ والاستقرار.
أمام هذا الإرباك، يميل الأفراد والمجتمعات أحياناً إلى الانكفاء الخائف، أو إقامة الأسوار بحثاً عن أمان زائف. لكن الحل لا يمكن أن يكون بالهروب من العصر. ولعل أصدق ما يصف الخيار المطلوب مجاز «عين الإعصار».
في الفيزياء والمناخ، يحمل كل إعصار مدمر في مركزه نقطة هادئة تكون فيها الرياح أهدأ نسبياً والطقس أكثر استقراراً، رغم العاصفة الشديدة التي تدور حولها. إن مسؤوليتنا اليوم لا تكمن في محاولة إيقاف العاصفة — فهذا محال — بل في البحث عن تلك النقطة المركزية التي تمنحنا التماسك والقدرة على التمييز وسط هذا الصخب.
وهنا يحق لنا أن نختلف مع فريدمان أو نُكمل ما لم يتسع له تحليله؛ فالتوقف وتلمّس «عين الإعصار» قد يبدوان للوهلة الأولى ترفاً فكرياً أو امتيازاً يخص من يملكون رفاهية الوقت، لا من يركضون يومياً وراء لقمة العيش. غير أن التوقف في حقيقته ليس استقالة من السعي، بل هو أداة المقاومة الأخيرة كي لا يتحول الإنسان إلى مجرد حطب في محرك العصر.
ليست «عين الإعصار» اعتزالاً سلبياً، بل هي مساحة يقرر الإنسان اقتطاعها بإرادته لبناء الروابط المباشرة: الجلسة الهادئة مع العائلة بعيداً عن التشتت الرقمي، الحوار الصادق مع الأصدقاء، العناية بالذاكرة الثقافية، والوفاء بالالتزامات الإنسانية. إن الآلة والبرمجيات، مهما بلغت من القوة والحوسبة الفورية، لا تلغي الحاجة إلى ما يمنح العلاقات معناها: التعاطف، وبناء الثقة، وتحمل المسؤولية.
ولعل موجات الذكاء الاصطناعي اليوم ليست سوى الامتداد الأحدث والأسرع لهذه القوى المتسارعة التي صاغ فريدمان ملامحها؛ ويبدو أن أوضح ميدان يظهر فيه سؤال التوقف هو التربية والتعليم. فلم يعد المطلوب تخزين المعلومات في ذاكرة الطفل في عصر تستعيد فيه الآلات البيانات في جزء من الثانية، بل يغدو جوهر التربية هو كيف نعلّم الطفل التوقف والتفكير الحر، وطرح الأسئلة العميقة، والحفاظ على حسّه الإنساني الأصيل.
وفي لبنان، يتجلى هذا التحدي في مشهد ملموس: أسرة تجلس في الصالون حول الشاشة تستقبل أنباء الأزمات السياسية والاقتصادية المتراكمة، بينما الأبناء يستعدون للهجرة أو مغتربون بالفعل، وتتواصل الأسرة معهم عبر مكالمات الفيديو.
في هذا البيت، لا يعني التوقف قطع الصلة بالعالم أو إغلاق الشاشات تماماً، بل أن نملك القدرة على اختيار متى ولماذا نفتحها؛ أن نقتطع وقتاً يحمي دفء الحوار المباشر وتماسك الأسرة. إنها إحدى الطرق القليلة كي لا تستنزفنا الأزمات المتلاحقة وتجردنا من القدرة على الفعل.
لن تحسم الخوارزميات والمعالجات الفائقة مستقبلنا، بل يصنعه البشر الذين يملكون الإرادة لحماية حضورهم الإنساني. والمفارقة الكبرى تتجلى في أن فريدمان توقف على مائدة الغداء مصادفة بسبب تأخر ضيفه، بينما نحن مطالبون اليوم بأن نجعل هذا التوقف قراراً واعياً ومتعمداً.
ليس التوقف هزيمة أمام العصر ولا نكوصاً عن مواكبته، بل هو شرط ألا نفقد أنفسنا داخله. وشكراً للّحظة التي تتيح لنا أن نتوقف، لا لأن العالم توقف، بل لأننا قررنا ألا نسمح له بأن يبتلعنا بالكامل.
