كسرنا الخوف ولم نبن البديل: ماذا بقي من ١٧ تشرين؟

بقلم الياس عيسى الياس

في خريف عام ٢٠١٩، قصدنا الشارع اللبناني تحت وطأة الانهيار المالي وشحّ الدولار وطوابير الخبز والبنزين، ولم تكن ضريبة الواتساب سوى الشرارة المفجّرة لغضب تراكم طويلاً. وحين توافد مئات الآلاف، كسرنا خوفاً تاريخياً مقدساً من الزعيم والطائفة والتابوهات السياسية، ملتمسين في عيون الناس رغبة حقيقية في التحرر من التبعية.
 
لكن الخلاصة التي نصل إليها اليوم بتجرد، بعد سنوات عجاف تخللها انفجار المرفأ والانهيار الشامل، هي أن الاحتجاج بلا تنظيم مستدام لا يكفي لإسقاط منظومة، وأن الغضب وحده لا يبني دولة.
 
وتتكرر هذه المعضلة في تجارب الحركات الاحتجاجية العالمية، من رفض التشيليين مشروع الدستور الجديد بعد موجة احتجاجات ٢٠١٩، مروراً بصعود وتراجع حزب مثل بوديموس في إسبانيا، حيث يتكسر الوهج الشعبي متى عجزت النواة الاحتجاجية عن التحول إلى تنظيم صلب وبديل مؤسسي قادر على الحكم.
 
حين شاركتُ كعضو مؤسس في حركة «أسس» المعارضة، اختبرتُ هذا الإخفاق من الداخل، إذ تعثرنا في صياغة أولوياتنا وسط هيمنة الشعارات الفورية. لقد تصادم الرفض المشترك للمنظومة مع غياب التوافق على البرنامج، واحتدم الخلاف الحاد بين من تمسك برؤية محددة لإعادة هيكلة القطاع المالي وتحميل الخسائر لكبار المودعين والمصارف عبر خطة تعافٍ دقيقة، وبين من اقتصر هدفه على تسجيل مواقف رمزية ضد حاكم المصرف المركزي.
 
هذا التشتت وغياب الديمقراطية الداخلية جعلا مجموعات المعارضة تعيد إنتاج عيوب من تواجهه، وهي ترزح تحت إرث ثقيل من الزبائنية وقوة منظومة طوّقت الاعتراض.
 
ويبدو الاختبار الأقسى في أداء النواب المستقلين الذين وصلوا إلى البرلمان منذ عام ٢٠٢٢. فالخطأ الأول تمثل في افتراض أن الشارع الغاضب ينتج تلقائياً كتلة برلمانية متجانسة، فانقسم النواب في اختبارات كبرى كالملف الرئاسي وتصويت التمديد للمجلس، وتنازعتهم الحسابات والاجتهادات الضيقة حتى تحولوا إلى جزر صغيرة عجزت عن تشكيل جبهة وازنة في مواجهة المنظومة.
 
وزاد الخلل أن إطارهم السياسي بدا هشاً أمام صلابة قانون الانتخاب، فبقيت اللوائح المقفلة والصوت التفضيلي المرتبط بالقضاء والمقعد الطائفي عائقاً بوجه تشكيل قوى عابرة للطوائف.
 
وحين نقيّم أداء هؤلاء النواب، ندرك أن معظمهم حافظ على نظافة كفّه، غير أن النزاهة شرط أخلاقي لا يكفي بمفرده لإدارة دولة، فقد افتقروا إلى الكتلة المنظمة والبرنامج الموحد. وعجزوا عن تحويل الخطاب الاحتجاجي إلى تشريعات حقيقية، فباتوا معارضين محدودي التأثير لغياب الرؤية المشتركة في مواجهة الأزمات المصرفية العميقة.
 
وليست المسؤولية هنا فردية بالكامل، بل هي حصيلة عوامل ضاغطة، من قمع المنظومة إلى انهيار المؤسسات، صعّبت المهمة لكنها لا تبرر غياب التنظيم المستدام.
 
إن بناء البديل اليوم لا يتحقق بالأمنيات، بل يرتكز أولاً على برنامج اقتصادي ومالي يتبنى رؤية صارمة لمعالجة الفجوة المالية وتوزيع عادل للخسائر، وثانياً على آليات ديمقراطية ومؤسسية للمساءلة والانتخاب الداخلي تمنع تفرد القيادات، وثالثاً على شجاعة سياسية واضحة في مقاربة الملفات السيادية التي انقسم حولها النواب، وفي مقاربة حصرية السلاح بيد الدولة، بعيداً عن الهروب بالنقاش إلى التفاصيل التقنية العقيمة.
 
ما بقي من ١٧ تشرين ليس انتصاراً مكتملاً ولا هزيمة نهائية، بل مساراً شاقاً وطويلاً يبدأ من تنظيم الناس لا من مقاعد البرلمان. لقد كسرنا الخوف، وبقي أن نبني ما نريد أن يحلّ مكانه.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top