حين أبحر الشرق في ملحمة الغرب:الفينيقيون جسر لا هوية مغلقة

بقلم الياس عيسى الياس
 
لطالما قُرئت «الأوديسة» لهوميروس مغامرةً خيالية تعجّ بالآلهة الغاضبة والساحرات والوحوش على حافة العالم المعروف. لكن الباحث الفرنسي فيكتور بيرار قلب هذه القراءة في مطلع القرن العشرين بكتابه «الفينيقيون والأوديسة» (1902–1903)، وذهب إلى أن الملحمة دليل بحري وجغرافي استقاه الشاعر من خبرة البحارة الفينيقيين، الذين يُرجَّح أنهم سبقوا اليونانيين بقرون في ارتياد مياه المتوسط.
 
وأرى أن قيمة هذه الأطروحة لا تتوقف على صحة كل تفصيل فيها. قيمتها أنها تذكّرنا بأن الساحل المشرقي لم يكن يوماً هامشاً معزولاً عن الحضارة. وإن كان لنا أن نستعيد الإرث الفينيقي، فليكن جسراً مفتوحاً على العالم، لا هوية مغلقة على نفسها.
 
هذا الموقف ليس بديهياً في لبنان، فالفينيقية عندنا كانت يوماً أيديولوجيةً في مواجهة العروبة، مع ميشال شيحا وسعيد عقل وخصومهما. ولا أريد هنا أن أنتصر لأحد الفريقين، بل أن أستعيد الفينيقيين من هذا السجال كله: تجّاراً وبحّارة وناقلي معرفة، لا شعباً نقياً ولا مشروعاً سياسياً.
 
والحقيقة أن السجال عندنا ظلّ في الغالب سجال هوية لا سجال تاريخ. فمن تمسّك بالفينيقية رآها ملاذاً من محيط يخشى الذوبان فيه، ومن رفضها رآها هروباً من الانتماء العربي. وسأل الفريقان من نحن، قبل أن يسألا ماذا فعل أولئك الذين سبقونا على هذا الساحل. أما التاريخ فلا يُسأل ليمنح أحداً شهادة نقاء، بل ليُظهر كم كان هذا الشرق متعدد الجذور ومتصلاً بغيره.
 
لم يدّعِ بيرار أن الإغريق كانوا مجرد ناقلين سلبيين، فقد أقرّ بعبقرية أمة وضعت أسس الفلسفة والمسرح والفكر. لكنه رفض أن تكون حضارتها قد وُلدت من فراغ أو نمت في عزلة عن جيرانها. فرأى أن البحارة الشرقيين تركوا أثرهم في أرجاء المتوسط، وأن كثيراً من أسماء الجزر والمضائق التي استعملها الإغريق ليست إلا صيغاً محرّفة لأسماء سامية.
 
وأشهر ما استدلّ به على ذلك أن الأوديسة تروي رحلة حقيقية بمعالم يمكن تحديدها على الخريطة. فقد رأى أن «أرض آكلي اللوتس» التي بلغها أوديسيوس في تيهه هي جزيرة جربة التونسية، وأن الملحمة بذلك تصف مكاناً موجوداً لا بلداً من نسج الخيال.
 
غير أن الأمانة النقدية تقتضي القول إن أطروحته الأساسية، أي الأوديسة بوصفها دليلاً بحرياً فينيقياً خالصاً، ما زالت موضع خلاف بين علماء الكلاسيكيات والآثار. وأضعف حلقاتها منهجه في الاشتقاق اللغوي، إذ يردّ أسماء المواقع إلى جذور سامية بقدر كبير من الاجتهاد. أما التأثير الشرقي العام في اليونان فقد أثبتته دراسات لاحقة كثيرة.
 
ويتطلب الحديث عن «فينيقيا» دقة أيضاً. فالفينيقيون لم يكونوا كياناً سياسياً موحداً ولا إمبراطورية مركزية، بل شبكة من المدن المستقلة، تقاسمت البحر مع شعوب أخرى. والأبجدية التي منحوها للعالم لم تصل إلى اليونان قالباً جاهزاً، فقد طوّرها الإغريق بإضافة حروف العلة لتناسب لغتهم. كان اللقاء بين الحضارتين تفاعلاً وتشاركاً لا نقلاً حرفياً.
 
وإذا كان الجدل العلمي قائماً حول ما قاله بيرار، فالمؤكد أن الفينيقيين وصلونا عبر أصوات غيرهم. فنحن نعرفهم غالباً من عيون خصومهم ومنافسيهم، ولم يصلنا من أدبهم المحلي نص مطوّل واحد يروي قصتهم بصوتهم.
 
والأوديسة نفسها تعكس هذه الصورة المزدوجة. ففي أحد فصولها يظهر الفينيقيون تجاراً ماكرين يخطفون الطفل ويبيعونه عبداً. وفي النشيدين الرابع والخامس عشر يقدّم مينيلاوس وعاءً صيدونياً نفيساً، هو هدية من فايديموس ملك صيدا. صورة واحدة تجمع الاحتقار والإعجاب، وكلتاهما بقلم الآخر.
 
وقد أخذ الإغريق عن الفينيقيين الكثير، وعُرف هؤلاء بالملاحة قبل أي شيء، أما علوم الفلك فمصدرها الأول بابل ومصر. ومع ذلك كان الفينيقيون من أهم القنوات التي عبرت منها معارف المشرق إلى العالم المتوسطي، وإن لم يكونوا القناة الوحيدة، فقد اتصل الإغريق بمصر والمشرق مباشرة أيضاً.
 
فما قيمة هذا كله اليوم، والمدن الفينيقية العريقة، من صور وجبيل إلى صيدا وبيروت وطرابلس، تئنّ تحت وطأة الحرب والإهمال، أو تكاد تُنسى؟ قيمته أنمدناً خرج منها بحّارة علّموا العالم الكتابة والملاحة لا تستحق أن تصير أطلالاً منسية. ومن يفرّط في ذاكرتها المادية يفرّط في أقدم ما يثبت أن هذا الشرق كان منفتحاً على العالم قبل أن يكون مغلقاً على نفسه.
 
ولعل في تجربة تلك المدن عبرة لنا. فهي لم تجتمع يوماً تحت راية واحدة، وتنافست أحياناً على الأسواق والموانئ، ومع ذلك صنعت معاً حضارة بحرية تركت أثرها من المشرق إلى المحيط الأطلسي. لم يمنعها اختلافها من الإبداع، ولم تكن وحدتها السياسية شرطاً لتأثيرها. وما أحوجنا اليوم إلى أن نتعلم أن التعدد لا يُضعف المجتمعات حين يُدار بعقل منفتح.
 
وأبسط ما يمكن فعله هو حماية المواقع الأثرية في هذه المدن كلها ودعم البحث العلمي فيها. أما الأعمق فأن ندرّس تاريخنا في المدارس بوصفه طبقات متراكمة لا شعارات متنافسة.
 
فإن صحّ بعض ما قاله بيرار وأخطأ بعضه، تبقى الحقيقة الأهم أن هذا الساحل كان يوماً نقطة انطلاق لا نقطة وصول.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top