الميدان يلتهم «اتفاق الإطار»: هل تملك الدولة خطة لإنقاذ الجنوب؟

بقلم الياس عيسى الياس
 
يتحدث الدبلوماسيون عن «اتفاق إطار» موقَّع يُفترض أن يحمي الجنوب، وتتحدث الوقائع على الأرض عن شريط أمني جديد يُفرض بالقوة. وبين الكلامين سباقٌ لا يخسره الاتفاق وحده، بل أهل الأرض: فإن سبق الميدانُ الورقَ، صار المؤقتُ دائماً.
 
من موقع المواطن الخائف على أرضه ومستقبل أهله، لا أرى المشكلة في إعلان وفاة الاتفاق، بل في احتضاره البطيء؛ إذ صيغ ليكون مدخلاً تدريجياً لتأمين الانسحاب وتثبيت السيادة وحصر السلاح بمؤسسات الدولة، لكنه اصطدم بشروط شائكة: فإسرائيل تربط انسحابها الكامل بنزع شامل لسلاح حزب الله، والحزب يرفض التخلي عن بنيته الميدانية بالصيغة المطروحة.
 
وبينما تقف الدولة اللبنانية في المنتصف مطالَبة بضبط الحدود، تُترك بلا أدوات كافية أو ضمانات حقيقية.
 
ولم تلبث الآمال التي انتظرها الناس أن تهاوت سريعاً؛ فبعدما طرح الوسيط الأميركي عبر لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية (الميكانيزم) نماذج لتسليم تدريجي لقرى حدودية مثل زوطر الغربية وسريفا، طُلِب أمنياً من حزب الله إخلاء المنطقة وأنفاقها للجيش تفادياً للتوغل الإسرائيلي.
 
ومستفيدةً من الرفض الميداني لإخلاء تلك المواقع، انتقلت القوات الإسرائيلية مباشرة إلى السيطرة على مرتفعات علي الطاهر وتدمير بنيتها التحتية. وأعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن علي الطاهر باتت جزءاً من «المنطقة الأمنية الإسرائيلية»، ملوحاً بتثبيت شريط أمني تقدّر التقارير الميدانية والصحافية أنه يقتطع مئات الكيلومترات المربعة.
 
حين أعلن رئيس مجلس النواب نبيه بري في تصريح لصحيفة «الجمهورية» نُشر في 11 أيلول أن «اتفاق الإطار طار»، وأضاف أن إسرائيل قادرة على الاحتلال إن أرادت، كان يلخص حجم الخيبة والشكوك التي تسود مسار التطبيق.
 
وهنا يفرض الزمن نفسه: قد يظل الاتفاق مساراً قيد البحث في أروقة واشنطن وعلى طاولات المتابعة، لكنه يتبخر على الأرض.
 
ونلمس كل يوم أن العقارب لا تدور في صالحنا: فالوقت بالنسبة للدول الكبرى قد يكون مجرد جولات تفاوض وتأجيل، لكنه بالنسبة لنا كلبنانيين يعني دماً ودماراً وتهجيراً مستمراً، وبقاء آلاف العائلات مشرّدة.
 
وفي وقت يتحدث فيه مسؤولون أميركيون عن فرصة لتثبيت قرار السلم والحرب بيد الدولة، تمارس واشنطن نفسها سياسة الاشتراط وتجميد بعض المساعدات المقررة للجيش اللبناني.
 
وهنا تكمن المفارقة: كيف يُنتظر من المؤسسة العسكرية أن تنتشر وتضبط الأمن وتعالج التهديدات، ثم يُترك جيشنا بلا تمويل كافٍ أو غطاء سياسي ودولي يحميه؟
 
لقد دفع الجيش ثمن هذا الانكشاف دماً حين استُشهد جنوده في غارات إسرائيلية، لتتضح المعادلة العارية: بلا حماية دولية وآلية رقابة فاعلة وملزمة، تبقى أجساد جنودنا هي الجدار الأخير الذي يحمي الوطن.
 
تؤكد قرارات الشرعية الدولية، ولا سيما القراران 425 و1701، وجوب انسحاب إسرائيل الكامل، وتكرّس اتفاقية الهدنة لعام 1949 خط الحدود الدولية. كما تحظر المادة الثانية (الفقرة 4) من ميثاق الأمم المتحدة استخدام القوة ضد سلامة الأراضي، وتمنع مبادئ القانون الدولي العرفي اكتساب الأراضي بالقوة.
 
غير أن القرار 1701 يشترط خلو منطقة جنوب الليطاني من أي سلاح غير سلاح الدولة، وهذا التلازم القانوني بين الالتزامين هو ما يمنح فكرة الربط بين الانسحاب والسلاح سندها الصلب.
 
لكن قوة النص لا تحمي بيتاً ولا تعيد حقاً ما لم تقترن بقدرة تنفيذية وإرادة سياسية تستند إلى عناصر القوة الوطنية، وفي مقدمتها الجيش وتماسك الموقف الداخلي.
 
هل تستطيع الدولة إذن استعادة زمام المبادرة وتقديم خطة لإنقاذ الجنوب؟ نعم، إن هي حوّلت شرعيتها إلى خطة إنقاذ تنفّذها مؤسساتها الدستورية عبر ثلاثة مسارات متوازية.
 
أولها مبادرة دبلوماسية تهدف إلى ربط أي جدول زمني لحصر السلاح جنوب الليطاني وفق القرار 1701 بجدول مقابل ومكفول دولياً للانسحاب الإسرائيلي الشامل، يقودها رئيس الجمهورية بالتنسيق مع رئيس الحكومة وتتولى وزارة الخارجية تنفيذها؛ وهو ربط يبقى الضمانة الأفضل لئلا تصبح التنازلات اللبنانية أحادية الجانب، وإن صعب تحقيقه في ظل التصلب الإسرائيلي.
 
وثانيها مطالبة حازمة يطلقها رئيس الحكومة في المحافل الدولية بشبكة أمان سياسية ومالية للجيش من واشنطن والدول المانحة، كي لا يُكلَّف بمهام تفوق قدراته قبل اكتمال دعمه اللوجستي وتأمين غطاء دولي يحميه.
 
وثالثها حوار دستوري يطلقه رئيس مجلس النواب تحت قبة البرلمان لاختبار النوايا ووضع خطة زمنية لحصر قرار السلم والحرب والسلاح بيد الدولة؛ وهو حوار يعيد الاعتبار للشرعية ويضع القوى السياسية كافة أمام مسؤولياتها، حتى لو قوطع في مراحله الأولى.
 
إن إسرائيل تتحكم بميزان الميدان، وحزب الله يملك قرار السلاح ومستقبله، والولايات المتحدة تملك مفاتيح الضغط والمال، لكن الدولة اللبنانية تملك السند القانوني والشرعية اللذين لا يملكهما غيرها.
 
وإذا لم تستطع الدولة ترجمة هذه الشرعية إلى خطة إنقاذ تحمي الناس والجيش، فإن هذا الاتفاق الذي صُمم أصلاً لتأمين الانسحاب وتثبيت السيادة سيتحول إلى وثيقة تكرس الأمر الواقع وتقتطع الجنوب مرّة أخرى، كما حدث بعد اجتياح عام 1978 حين انتظرنا 22 عاماً لتنفيذ القرار 425.

شارك المقال

WhatsApp
Facebook
Twitter
Email
Telegram
Print

مواضيع ذات صلة:

Scroll to Top